{وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي} [الحجر: 29] ، فمن أطيب ممن منشأة نفخة الحق والجسد من التراب الطيب قد خلق، كقوله تعالى: {فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا} [النساء: 43] ، ثم أحيا لكم بالإيمان حياة طيبة؛ لقوله تعالى: {فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً} [النحل: 97] ، ثم رزقكم من الطيبات.
وقال تعالى: {كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} [طه: 81] ، فليس منكم شيء خبيث في الظاهر والباطن، {وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ} [البقرة: 267] بالطبع {إِلاَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ} [البقرة: 267] بالتكلف والقهر في قراءات من قرأ بضم التاء وفتح الميم، كما قال صلى الله عليه وسلم:"كل مولود يولد على فطرة فأبواه يهودانه ويلوناه بخباثة الكفر قهرًا وجبرًا"فلم تكن الخيانة ذاتية للإنسان إلا طارئة عليه عارية لديه، أنزل الله تعالى كلمة طيبة وعفى لا إله إلا الله، وأمركم بالمواظبة عليها بقوله تعالى: {يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ َاتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُواْ قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} [الأحزاب: 70 - 71] ؛ يعني: قولوا هذه الكلمة، يبالي أن يتقي بتنقيتها خباثة قد أخذتموها من التكليف عن قومكم، ويثبت بإثباتها طيب التوحيد والمعرفة، فتطيب أعمالكم وتغفر لكم ذنوبكم بتطيب أخلاقكم، فلما سلمتم من خباثة أعمالكم بتطيب أخلاقكم نوديتم من سرادقات الجلال عن حرثة جنات عالم الجمال، {سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ} الزمر: 73].
ثم قال تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} [البقرة: 267] ؛ يعني: من كما غناه يسد فقركم جميعًا بشظية من كمال غناه ويفنيكم كلكم، وما ينقص من كمال غناه مثقال ذرة، وظاهر قوله تعالى: {أَنْفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ} [البقرة: 267] ، يقتضي أنه يطلب من غناكم، وباطنه يبقى عن مطالبة إياكم، يفنيكم بلا علة وغرض يرجع إليه، بأن تشكروا له على نعمه، أو تحمدوه على فضله وكرمه، فإنه في ذاته حميد بصفات مجيد.