"من شغله ذكر مسألتي أعطيته فوق مسألة السائلين" {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} [الطلاق: 3] .
ثم أخبر عن الرجوع من المولى وأكد للتزود أمر التقوى بقوله تعالى: {وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ} [البقرة: 281] ، والإشارة فيها: أن الله تعالى جمع في هذه الآية خلاصة ما في القرآن وجعلها حاملة الوحي والإنزال، كما أنه جمع خلاصة ما أنزل من الكتب على الأنبياء في القرآن وجعله خاتم الكتب، كما أن النبي صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء - عليهم السلام - وقد جمع فيه أخلاق الأنبياء، نقول: علم خلاصة جميع الكتب المنزلة وفائدتها بالنسبة إلى الإنسان عائدة إلى معنيين:
أحدهما: نجاته من الدركات السفلى، وثانيها: فوزه بالدرجات العلا، فنجاته في خروجه عن معائب النفس، وفوزه في ترقيه على الدرجات العلا وهي ثمانية: المعرفة، والتوحيد، والعلم، والطاعة، والاخلاق الحميدة، وجذبات الحق، والفناء عن أنانيته، والبقاء بهويته.
فهذه الآية تشير إلى مجموعها إجمالًا قوله تعالى: {وَاتَّقُوا} [البقرة: 281] ، هي لفظه شاملة لما يتعلق بالسعي الإنساني من هذه المعاني؛ لأن حقيقة التقوى مجانية ما يبعدك عن الله تعالى ومباشرة ما يقربك إليه، دليله قوله النبي صلى الله عليه وسلم إجماع التقوى في قول الله عز وجل: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ وَإِيتَآءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ} [النحل: 90] ، فيندرج تحت التقوى على هذا المعنى الخروج عن الدركات السفلى والترقي على الدرجات العلا، فتقوى العوام: الخروج عن الكفر بالمعرفة، وعن الشرك بالتوحيد، وعن الجهل بالعلم، وعن المعاصي بالطاعات، وعن الأخلاق المذمومة بالأخلاق المحمودة، ها هنا ينتهي سير العوام؛ لأنها نهاية كسب الإنسان وغاية جهد المجتهدين في إقامة شرائط جاهدوا فيها.
فمن هنا تقوى الخواص المجذوبين بجذبات، {لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} [العنكبوت: 69] ، فتخرجهم الجذبة من حجب أوصافهم إلى درجة تجلي صفات الحق، فها هنا ينقضي سلوك الخواص فيستظلون بظل {عِندَ سِدْرَةِ الْمُنتَهَى * عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى} [النجم: 14 - 15] ، فينتفعون من مواهب، {إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى} [النجم: 16] ، وأما تقوى خاص الخاص: فبجذبة فرقت العناية بجذبة {مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى} [النجم: 17] ، من سدرة المنتهى الأوصاف إلى {قَابَ قَوْسَيْنِ} [النجم: 9] ، نهاية محن النفس وبداية أنوار القدس، فهناك عن عرف نفسه فقد عرف ربه، فتقوى الحقيقي تجد الإيمان الحقيقي، فالآن {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُمْ} [البقرة: 257] ، من ظلمات الأنانية إلى نور الهوية، وهو مقام أو أدنى.
ثم بسير {فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ} [النجم: 10] يفنيه عنه، وبحقائق ما أوحى يبقيه بهويته، فقوله {وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ} [البقرة: 281] ، يشير إلى هذه الحقائق معناه: {وَاتَّقُوا} [البقرة: 281] جاهدوا فينا بجهدكم وطاقتكم، {يَوْمًا} [البقرة: 281] ؛ يعني: اليوم فيه لنهدينكم بجذبات العناية {تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ} [البقرة: 281] ، أشار بلفظ الرجوع إليه؛ ليعلم أن الشروع كان منه، كما قال تعالى: