فهرس الكتاب

الصفحة 220 من 1648

{وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي} [الحجر: 29] ، فبدء وجودك كان بالنفخة، وأخر رجوعك بالجذبة، وأنت محمول العناية بين النفخة والجذبة، ولقد اصطفى آدم وكرم أولاده بهذا الاختصاص على البرية كلها، وقال: {َأُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ} [البينة: 7] .

وفي قوله تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} [الإسراء: 70] ، سر عظيم أنه قال تعالى: {بَنِي آدَمَ} [الإسراء: 70] ، ما قال أولاد آدم، واختص الرجال بالذكر دون النساء؛ يعني: أهل الكرامة من يوصف بوصف الرجال لا بوصف النساء، ثم وصف الرجال بقوله تعالى: {لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ} [النور: 37] ، فمن لم يكن بهذا الوصف فهو من النساء في المعنى.

ثم في قوله: {وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} [البقرة: 281] ، وعد وبشارة للأولياء، ووعيد وإنذار، فإن الجذبة في قوله تعالى: {تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ} [البقرة: 281] ، شاملة لكلتا الطائفتين، إلا أنها للأولياء جذبة اللطف والعناية، وللأعداء جذبة القهر والخذلان، فقال لأهل العناية: {نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَآءُ} [الأنعام: 83] .

وقال لأهل الخذلان، يسبحون في النار على وجوههم، وقوله تعالى: {ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ} [البقرة: 281] ، فهو بشارة لأهل العناية؛ يعني: لما يرجعون إلى الله، فبقدر راحتها، وكل واحد منهم وحده في كسب العبودية بالتقوى يهدي إلى مقامات القرب بإفناء حجاب نفسه عنه، وبإبقائه هويته، {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} [البقرة: 281] ، وهذا كما أن من سعي في نقب جدار بيته إلى جهة الشمس ليخرج بنور الشمس ظلمة بيته، فلما فتح الروزنة على قدر ضوء النور يخرج الظلمة من البيت ضرورة، فلا تظلم الشمس عليه مثقال ذرة، وفيه تهديد وإنذار لأهل الخذلان إذا استهواهم الشيطان فلم يسلكوا طريق التقوى واتخذوا آلهتهم الهوى، فلما يرجعون إلى الله بالسلاسل والأغلال يسبحون على وجوههم في سلسلة زرعها سبعون زراعًا، بالإهانة والإذلال، {ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ} [آل عمران: 161] ، في متابعة الهوى وطلب شهوات الدنيا بأن يصلى النار الكبرى، {لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَى} [طه: 74] ، وهم لا يظلمون؛ لأنهم آثروا الحياة الدنيا على الدرجات العلا، وقربة حضرة المولى {فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالأُوْلَى} [النازعات: 25] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت