فهرس الكتاب

الصفحة 224 من 1648

{لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ} [الرعد: 11] ، فافهم جدًّا.

فيما يكتب على السائرين إلى الله كاتبهم ولهم رهان مقبوضة عند الله، رهان وأي رهان، فأرهان قلوب ليس فيها غير الله، وقبض وأي قبض، فمقبوضة بين أصبعين من أصابع الرحمان، فالإشارة في قوله تعالى: {وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ} [البقرة: 283] ، إلى اليسار الذي له قلب فرهنه، فأما الطيار الذي هو عاشق مفقود القلب، مسلوب العقل، مجذوب السير، فلا يطالب بالرهن فإنه مبطوش يبطشه الشديد.

مستهامٌ ضاق مذهبهُ ... في هوى من عز مطلبه

كل أمري في الهوى عجبُ ... وخلاصي منه أعجبهُ

وإنما يحتاج إلى الرهن المتهم بالخيانة لا المتعين للأمانة، فلم يوجد في السماوات والأرض ولا في الدنيا والآخرة أمين يؤتمن الحمل أعباء أمانته؛ إلا العاشق المسكين، فإنها لم عرضت على الخليقة فنظر إليها الجلي من ليس بعاشق أشفق منها وحار فيها وأبى إن يحملها، والعاشق المسكين لما نظر إلى فراش تلك الشمعة تعشق بها وطار فيها، وأتى أن يحملها واستحسن منه ما تفرد به من أصحابه زيدت له من الحضرة ألقاب، فإنه قد نسب في البداية إلى {مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ} [البقرة: 30] ، فلقب في النهاية، {إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} [الأحزاب: 72] .

هذا أمر عجيب ونقش غريب، أنه من لم يطمع في حمل الأمانة، وأبى فنسب إلى المكان والطاعة والأمانة، ويقال له: مكين مطاع، ثم أمين، ومن أطاع فينسب إلى الظلم والجهل والفساد والخيانة نعم، إنما يكون ذلك بوجهين:

أحدهما: أن الذلة والمسكنة وقعت في قسم العاشق، كما أن العزة والعظمة وقعت في قسم المعشوق؛ بل جمال عزة المعشوق لا يظهر كماله إلا في مرآة ذلة العاشق.

وثايها: إن من كمال العزة الأمانة، يلزم كمال ذلة المؤتمن في الظاهر واستهتاره بتهمة الظلم والخيانة؛ لكتمان صلاح أمر الأمانة، لا ينسب إلى غير المؤمن بحسن الثناء عليه بهمة الأمانة، فيأتمنون عزته في الظاهر ذلته في الحقيقة بذلك على حقيقة هذا السر خطاب: {اسْجُدُوا لأَدَمَ} [البقرة: 34] ، وعتاب: {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 30] ؛ يعني: لظاهر حالكم وحاله، ولحقيقة نشأتكم وشأنه سر مخفي، إني عالم به في الحقيقة غير ما تعلمون في الظاهر، فلما أمرتم بسجوده لو كنتم أصحاب الكياسة لعرفتموه بالفراسة، أنه المستحق لخلافتنا والمستعد لأمنتنا، ولاستحقاقه بالخلافة خاطبناكم أن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت