فهرس الكتاب

الصفحة 230 من 1648

{وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا} [الشورى: 52] ، وقال تعالى: {وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ} [النساء: 113] ، خصصك بهداه وعلمه.

ثم قال تعالى مؤكدًا معناه ومؤيدًا لفحواه: {وَأَنزَلَ الْفُرْقَانَ} [آل عمران: 4] ؛ يعني: وأنزل الفرقان عليك فرقانًا، يفرق بين تنزيله على قلبك وبين إنزال الكتب صورة على الأولياء، ويفرق بين تعلمك القرآن وبين تعلمهم الكتب، وإنهم كانوا يتدارسون الكتب وأنت تتخلق بالقرآن وتفرق بين ما أفاد لهم الحكمة، فقد أفاد لك أن أوتيت جوامع الكلم وبه فضلت على الأنبياء، وبالخمسة الأخرى من إفادة القرآن، كقوله صلى الله عليه وسلم:"فضلت على الأنبياء بست"، ويفرق بين تصرف التنزيل على قلبك وبين تصرف الإنزال عليهم، فإن كانت الكتب المنزلة عليهم تصرف فيهم بأن يكون الكتاب مع أحدهم نورًا من الله يجيء به إلى قومه؛ ليكون هدى لهم، كما قال تعالى: {الْكِتَابَ الَّذِي جَآءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِّلنَّاسِ} [الأنعام: 91] ، فإن تصرف تنزيل نور القرآن على قلبك جعلك نورًا من الله تجيء الأمة ومعك القرآن، كما قال تعالى: {قَدْ جَآءَكُمْ مِّنَ اللَّهِ نُورٌ} [المائدة: 15] ؛ وهو محمد صلى الله عليه وسلم، {وَكِتَابٌ مُّبِينٌ} [المائدة: 15] ؛ وهو القرآن.

فشتان بين نبي يجيء ويكون وهو بذاته نور ومعه كتاب، وبين نبي يجيء ومعه نور من الكتاب، ويفرق بين ما شرفت به من إكرام الحق وبين ما شرفوا به، فقال تعالى تشريف لموسى عليه السلام: {وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِّكُلِّ شَيْءٍ} [الأعراف: 145] ، وقال تشريفًا لك: {فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَآ أَوْحَى} [النجم: 10] ، وقال تشريفًا لأمتك: {كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ} [المجادلة: 22] .

فشتان بين نبي يشرف بكتابة الموعظة في الألواح، وبين نبي تشرف أمته بكتابة الإيمان لهم في قلوبهم، {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِ اللَّهِ} [آل عمران: 4] ؛ أي: يسترون بحجب الفضلات وتتبع الشهوات قلوبهم، فعميت عن مشاهدة هذه الآيات البينات والدلائل الواضحات، والأنوار اللامعات، والبراهين القاطعات، {لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ} [آل عمران: 4] ، من هذا العمى والحرمان، وهم في الخسران المبين بالركون إلى النقصان وترك العاجلة بطريق المتابعة {وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ} [آل عمران: 4] ، يعز أهل الكرام بنيل المرام، ويذل اللئام أهل الستر بشدة الانتقام، فينتقم منهم بتعززه بحجاب العزة، ويعذبهم بتحجبهم عنه بنقاب العزة.

ثم أخبر عن فضله وكرمه العشام مع سائر الأنام، بأن صوره في الأرحام بقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاءِ} [آل عمران: 5] ، والإشارة فيها: إن الله هو الذي قدر المقادير في الأزل كيف يشاء، ودبر الأحوال على ما يشاء، ثم خلق الأرض والسماء وبث فيهما كل ما يشاء، ودبر الأحوال على ما يشاء، ثم خلق الأرض والسماء وبث فيهما كل ما يشاء، فلا يخفى عليه شيء من الأشياء لا في الأرض ولا في السماء، {هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ} [آل عمران: 6] في الظلمة الثلاث، {كَيْفَ يَشَآءُ} [آل عمران: 6] ؛ أي: كيف ما يشاء في الأزل حين قدر الخلق والرزق والأجل، فإذًا لم يخف عليه شيء مما في الأزل، ولا في تصويركم في الأرحام في الظلمات كيف تخفى عليه ما هو في الخارج، ثم قال تعالى: {لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ} [آل عمران: 6] ؛ يعني: ليس له آخر، فيخلق شيئًا يكون مخفيًا عليه، أم بتعقب كلمة وقضاؤه بالنقص أو بعارض بتقديراته وتدبيراته في كل شيء من الأشياء بالإهمال والرفض، {لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ} [آل عمران: 6] ، المقدر والمدبر {الْعَزِيزُ} [آل عمران: 6] عن نقض الأحكام {الْحَكِيمُ} [آل عمران: 6] ، فيما يجري من الأزل إلى الأبد، وجفت به الأقلام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت