{يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} [آل عمران: 100] ، وقوله تعالى: والمؤمنون {وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ} [البقرة: 285] ، ويذكر خواص الخواص باسم الولي، كقوله تعالى: {أَلا إِنَّ أَوْلِيَآءَ اللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} [يونس: 62] .
ثم شرح أحوال العوام المردودين إلى أسفل دركات البعد، المطرودين من أعلى الدرجات القرب بقوله تعالى: {لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ. . .} [آل عمران: 14] ، الآية.
ثم اعلم أن لجهنم سبع دركات محفوفة، كما قال صلى الله عليه وسلم:"حفت النار بالشهوات"، والشهوات سبع لكل دركة شهوة، فإذا ابتلي المرء بشهوة منها يكون من أهل دركة منها، والشهوات السبع ما عده الله تعالى في هذه الآية، إشارة بكل واحد منها إلى شهوة بقوله تعالى: {مِنَ النِّسَاءِ} [آل عمران: 14] ، وهي شهوة الفرج، {وَالْبَنِينَ} [آل عمران: 14] ، وهي شهوة الطبيعة الحيوانية المائلة إلى الولد، {وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ} [آل عمران: 14] ، وهي شهوة الحرص على جميع المال، {وَالْفِضَّةِ} [آل عمران: 14] ، وهي شهوة الزينة بالحلي والأواني المتخذة منها، {وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ} [آل عمران: 14] ، وهي شهوة الجاه والرفعة بالركوب عليها، {وَالأَنْعَامِ} [آل عمران: 14] ، وهي شهوة الخيلاء بالتمايل بها، {وَالْحَرْثِ} [آل عمران: 14] ، وهي شهوة الحكم والأوامر والنواهي على الرعايا، فهذه سبع شهوات خفت سبع دركات النار بها، {ذلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [آل عمران: 14] ؛ يعني: متمتعان أهل الدنيا الذين يأكلون الدنيا كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ} [محمد: 12] .
ثم شرح أحوال الخواص وخواصهم المقبولين بقبول العناية المجذوبين عن شهوات نفوسهم، والطبائع الحيوانية بجذبات الهداية الربانية بقوله تعالى: {وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ} [آل عمران: 14] ، {قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِّن ذالِكُمْ} [آل عمران: 15] ؛ يعني: قل لأرباب النفوس المتمتعين بالحياة الفانية أنبتكم بخير من ذلكم مما أنتم فيه {لِلَّذِينَ اتَّقَوْا} [آل عمران: 15] ، حذروا واحترزوا من الشهوات والشبهات وما يشغلهم من الله تعالى؛ وهم الخواص {عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ} [آل عمران: 15] ، فكما أن لأرباب النفوس، فعصيان الشهوات النفسانية سوء حظ من دركات الجحيم عاجلًا، ثم يصلونها عاجلًا، كما قال تعالى: {وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ} [الأنفطار: 14] ؛ يعني: الآن عاجلًا، {وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَآئِبِينَ} [الانفطار: 16] اليوم، فكذلك لأرباب القلوب بغلبات الأخلاق الروحانية حسن حظ من درجات الجنات ونعيمها عاجلًا، ثم يدخلونها أجلًا، كما قال تعالى: {إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ} [المطففين: 22] ؛ يعني: الآن عاجلًا النعيم الذي يتمتعون به أرباب القلوب ثمانية، وقد ذكرها الله تعالى في الآيتين وما بعدها وهي الإيمان بقوله تعالى: {رَبَّنَآ إِنَّنَآ آمَنَّا} [آل عمران: 16] ، والتقوى؛ لقوله تعالى: {الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ} [آل عمران: 17] ، والطاعة؛ لقوله تعالى: {وَالْقَانِتِينَ} [آل عمران: 17] ؛ أي: المطيعين، والإنفاق في طاعة الله؛ لقوله تعالى: {وَالْمُنْفِقِينَ} [آل عمران: 17] ، والاستغفار بقوله تعالى: {وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ} [آل عمران: 17] ، والرضاء بالقضاء بقوله تعالى: