فهرس الكتاب

الصفحة 253 من 1648

ومنها اصطفاء الجنس: كاصطفاء مريم على نساء زمانها بقوله تعالى: {وَإِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَآءِ الْعَالَمِينَ} [آل عمران: 42] ، {اصْطَفَاكِ} [آل عمران: 42] لاصطفائك بك إياه {وَطَهَّرَكِ} [آل عمران: 42] عن الالتفات لغيره، واصطفاك على نساء العالمين؛ لنيل درجة الكمال، فإنه ليس من شأن النساء، كما قال صلى الله عليه وسلم:"كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون، وفضل عائشة على النساء: كفضل الثريد على سائر الطعام".

{يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي} [آل عمران: 43] ، واقتربي {وَارْكَعِي} [آل عمران: 43] ، وانكسري من أنانيتك لتجدي أنانيتي، فإني أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي {مَعَ الرَّاكِعِينَ} [آل عمران: 43] ، البالغين من الرجال درجة الكمال {ذلِكَ} [آل عمران: 44] ، أحوال {مِنْ أَنَبَآءِ الْغَيْبِ} [آل عمران: 44] ، من الأحوال الغيبية على نواظر أهل الشهادة {نُوحِيهِ إِلَيكَ} [آل عمران: 44] ، يا محمد بوحي البيان وكشف العيان {وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ} [آل عمران: 44] ، وإن لم تكن عندهم إذ يسعون بإلقاء الأقدم؛ ليستعدون بكمال مريم، {وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ} [آل عمران: 44] ، على إدراك هذه السعادة.

ثم أخبر عن ميامن الاصطفاء ببشارتها بنبي من الأنبياء بقوله تعالى: {إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ} [آل عمران: 45] ، والإشارة في الآيتين: إن الله تعالى جعل المخلوقات كلمة مركبة من حروف تفيد معرفة ذاته وصفاته، فإن كل صفة من صفاتها مظهر آية من آياتها، وصفة من صفاته أو صفتين فصاعدًا، كقوله تعالى:"كنت كنزًا مخفيًا فأحببت أن أعرف، فخلق الخلق؛ لأعرف"، وكل صنف من أصناف العالم؛ فهو حرف من حروف كلمة المعرفة، ولكنه خلق نسخة العالم بما فيه وركب من أصناف العالم؛ فهو أيضًا كلمتة المعرفة: كالعالم بما فيه، وليس للعالم ولا لصنف من أصنافه هذا الاستعداد، وكما أثبت الله تعالى للإنسان بقوله تعالى: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ} [فصلت: 53] ، وهذا مقام مخصوص بالإنسان الكامل المزكي بتزكية الشريعة، المربي بتربية أرباب الطريقة، وإنما خص عليه السلام بهذا الاسم؛ أعني: الكلمة من بين سائر الأنبياء والأولياء لمعنيين:

أحدهما: أنه خلق مستعدًا لهذا الكمال في بدء أمره وحال طفوليته من غير احتياج إلى التربية، كقوله تعالى في المهد {إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ} [مريم: 30] ، فقد فهم من كلمة نفسه معرفة ربه، كما قال صلى الله عليه وسلم:"من عرف نفسه عرف ربه".

والثاني: إنه لما كان الله تعالى متولي إلقاء روح عيسى عليه السلام إلى مريم، كما قال تعالى: {فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا} [التحريم: 12] ، ومتولي أمر تخليق طينة جده بإبداع كن من غير نطفة أب، كما قال تعالى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت