{وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى} [الشورى: 7] .
قال الشيخ الإمام رحمه الله: والإشارة في تحقيق {الم} أن جميع ما ذكرنا في تفسير الفاتحة من طلب الهداية إلى حضرة الربوبية والخلاص من ظلمات الوجود والوصول إلى الوحدانية وإجابة الحق تعالى دعاء العبد في إفنائه عن حجاب أنانيته بشهود كشف هويته، والمودع في الفاتحة مناجاة بين العبد والرب، ولكل مناج موضع خاص للمناجاة كما كان الطور ميثاق مناجاة موسى عليه السلام لقوله تعالى: {وَلَمَّا جَآءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ} [الأعراف: 143] .
وكان المعراج مقام مناجاة نبينا صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى: {فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى} [النجم: 9] ، وكان مقام مناجاة المؤمنين الصلاة كما قال صلى الله عليه وسلم:"الصلاة معراج المؤمن"فكما أن الصلاة بغير فاتحة غير تامة، فكذلك من قرأ الفاتحة في غير الصلوات تكون مناجاة غير تامة وقد سمى الله فاتحة الكتاب صلاة، وقال:"قسم الصلاة بيني وبين عبدي نصفين إلى قوله: ولعبدي ما سأل"إذا قرأها في الصلاة وإذا تحققت هذا فاعلم أن هذه الصلاة التي ذكرت في القرآن ثلث القيام لقوله تعالى: {وَقُومُواْ للَّهِ قَانِتِينَ} [البقرة: 238] .
والركوع لقوله تعالى: {وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ} [البقرة: 43] ، والسجود لقوله تعالى: {وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ} [العلق: 19] ، فالألف إشارة إلى القيام، واللام إشارة الركوع، والميم إشارة إلى السجود، يعني: من قرأ فاتحة الكتاب التي هي مناجاة العبد مع الله في الصلاة التي هي معراج المؤمنين ليجيبه الله بالهداية التي طلب منه بقوله: {اهْدِنَا} فيكون له أم الكتاب هدى بلا شك، ولهذا قال عقيب: {الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ} [البقرة: 2] ، للغائب فلو كانت الإشارة بذلك الكتاب إلى القرآن تعالى هذا الكتاب {لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى} [البقرة: 2] ، أي: أم القرآن إذا قرئت في الصلاة وناجى به العبد ربه، وسأل منه الهداية بقوله: {اهْدِنَا} لا شك فيه أنه يهدي لما سأل؛ لأنه قال: ولعبدي ما سأل، منه هاهنا ما كان بالإشارة والتعريض لقوله: {هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ} [البقرة: 2 - 3] .
وفي: {ذَلِكَ الْكِتَابُ} أشارة أخرى أي: كتاب العهد الذي أخذ يوم الميثاق بإقرار العبد على التوحيد ليوم التلاق، يدل على هذا قرينه {الم} الألف والام حرفان مقدمان من قوله: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ} [الأعراف: 172] ، والميم المؤخر عنه الحرف الآخر من قوله: {بِرَبِّكُمْ} معناه في عهد: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ} [الأعراف: 172] ، أخذ منكم ذلك الكتاب في الميثاق على التوحيد في الربوبية وعلى العبودية بالعبادة لي دون غيري؛ لقوله تعالى: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ الشَّيطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ} [يس: 60 - 61] ، أي: هاديًا إلى صراط مستقيم التوحيد والعبودية التي لا شرك فيها لغيري، وإلى محبتي للمتقين أي: للمؤمنين الموقنين يدل عليه ما بعده وهو قوله تعالى: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ} [البقرة: 3] ، أي يوقنون وقد شرط الله تعالى على الهداية بالتقوى قال: {هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ} [البقرة: 2] ، فالهداية تكون على قدر التقوى والتقوى على ثلاثة أوجه: تقوى العام على الشرك والكفر والبدع، وتقوى الخاص عن الذنوب والعصيان، وتقوى الأخص عن ملاحظة غير الرحمن، فهداية العام بالإسلام والإيمان، وهداية الخاص بالإيقان والإحسان، وهداية الأخص بكشف الحجب ومشاهدة العيان ليتقي على نفسه بربه، كما قال تعالى: