{فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الأَلْبَابِ} [المائدة: 100] .
والمتقون هم الذين أوفوا بعهد الله من ميثاقه ووصلوا بها ما أمر الله به أن يوصل به من مأمورات الشرع ظاهرة وباطنًا وانقطعوا عما نهاهم عنه من منهيات الشرع ظاهرًا وباطنًا، يدل على هذا قوله تعالى: {وَأَوْفُواْ بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ} [البقرة: 40] ، إلى قوله {وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ} [البقرة: 41] ، معناه إذ أنتم أقررتم بربوبيتي بقولكم {بَلَى} يوم الميثاق فأوفوا بعهدي الذي عاهدتموني عليه وهو العبودية الخالصة أوف بعهدكم الذي عاهدك عليه: الهداية إلي، وحقيقة التقوى الإعراض عن الدنيا والعقبى بالإقبال على المولى يؤمنون بالغيب؛ أي: بنور غيبتي وهو من الله في قلوبهم نظروا إلى محمد صلى الله عليه وسلم فشاهد وصدقوا قوله وآمنوا به كما قال صلى الله عليه وسلم:"المؤمن ينظر بنور الله"واعلم أن الغيب غيبان، غيب غاب عنك وغيب غبت عنه، فالذي غاب عنك عالم الأرواح فإنه كان حاضرًا حين كنت فيه بالروح وكذرَّة وجودك في {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ} [الأعراف: 127] .
واستماع خطاب الحق ومطالعة آثار الربوبية وشهود الملائكة وتعاون الأرواح من الأنبياء والأولياء وغيرهم، فغاب عنك إذا تعلقت بالقلب، ونظرت بالحواس الخمس إلى المحسوسات عن عالم الأجسام، وأما الغيب الذي غبت عنه فيغيب الغيب، وهو حضرة الربوبية قد غبت عنه بالوجود {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ} [الحديد: 4] أنت بعيد عنه وهو قريب منك، كما قال تعالى: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} [ق: 16] .
وكذلك الإيمان مراتب؛ فأول مرتبة: تصديق القلب بحقائق الغيب بلا ريب، كما روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"الإيمان معرفة بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالأركان"وعلى ما أخبرنا أبو المظفر عبد الرحيم بن عبد الكريم السمعاني قال: أخبرنا أبو الحسن مسعود بن محمود الغانمي، قال: أخبرنا أبو القاسم بن أبي منصور الخليل، أخبرنا أبو القاسم على بن محمد الخزاعي، أخبرنا الهيثم بن كليب الشاشي، ثنا أحمد عيسى بن أحمد العقلاني، أنا يزيد بن هارون، أنا كهمس بن الحسن عن عبد الله بن يزيد عن يحيى بن يعمر قال: كان أول من تكلم في القدر - يعني بالبصرة - معبد الجهني، فخرجت أنا وحميد بن عبد الرحمن نريد مكة، فقلنا: لو لقينا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلسألنه عن القدر، فلقيناه عبد الله بن عمر، فالتقيته أنا وصاحبي أحدنا عن يمينه والآخر عن شماله، فعلمت أنه سيكل الكلام إلي، فقلت: يا أبا عبد الرحمن إنه قد ظهر عندنا ناس يعتقدون هذا العلم ويطلبونه ويزعمون أن الأقدر وأن الأمر أنف، قال: فإذا لقيت لهم فأخبرهم أني برئ منهم ومن ربهم براء،