فهرس الكتاب

الصفحة 37 من 1648

"الإيمان قول مقول، وعمل معمول، وعرفان بالعقول، واتباع الرسول".

والمرتبة الثانية من الإيمان: أن تؤمن بغيب الغيب، ولهذا الإيمان مرتبتان:

فالمرتبة الأولى: أن يتخلص قلبه بالنور الغيبي الذي هو من الله تعالى عن تعلقات الجسمانيات وحجب آفات النفس وصفاتها، ويهدي إلى عالم الأرواح كما كان أول العهد يوم الميثاق؛ فالغيب الروحاني لا يبقي له غيب؛ لأنه ارتفعت الحجب وصار حضورًا وشهودًا لقوله تعالى: {وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ} [التغابن: 11] ، أي من كان إيمانه بنور الله يهد قلبه إلى الله؛ فيشاهد القلب ما كان الروح يشاهده في عالم الأرواح، وما كانت الذرة تشاهده يوم الميثاق، ويسمع من خطاب الرب ما كانت تسمع، ويتنور بنور تنورت الذرة به، ويتنسم من نفحات ألطاف الحق ما تنسمت؛ فالإيمان الغيبي يصير عينًا؛ فيكتب الله تعالى الإيمان بنور غيب الغيب في قلبه، كما قال تعالى: {َأُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِّنْهُ} [المجادلة: 22] ، فيتنوَّر ذلك القلب لإيمان، ويتأيد ذلك الروح ويشاهد أنوار الفضل الإلهي فيشتاف شوق موسى بقوله لأهله: {امْكُثُوا} [طه: 10] ، وهو الروح والجسم {إِنِّي آنَسْتُ نَارًا} [طه: 10] ، فيترقي عن عالم الأرواح ويقول: {لَعَلِّي آتِيكُمْ مِّنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى * فَلَمَّآ أَتَاهَا نُودِيَ} [طه: 10 - 11] ، من شاطئ وادي الإيمان، وهو حضائر القدس في البقعة المباركة، وهي القلب من الشجرة، وهي السر {أَن يَا مُوسَى} [القصص: 30] ، وهو المحب المشتاق {إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [القصص: 30] الذي خلقت العالمين وربَّيتُ خواص عبادي بألبان المحبة عن ثدي {يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} [المائدة: 54] ؛"أنا المحبوب؛ فأين أنت يا محب؟! أنا المطلوب؛ فأين أنت يا طالب؟! ألا طال شوق الأبرار إلى لقائي، وأنا أشد شوقًا إلى لقاءهم".

فلما دارت كؤوس الملاطفات، وأقداح المكاشفات بين المحب والمحبوب جعل يتساكر المحب ويتخامر مع المحبوب بلسان الانبساط على بساط القرب يقول: {رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ} [الأعراف: 143] ، ليصير الإيمان عيانًا والغيب عينًا، نودي من سرادقات العزة، ما هذه العزة؛ ألم تعلم بأنه عالم الغيب وغيب الغيب فلا يظهر على غيبة أحدًا، فأنك مع أحديتك لن تطيق شهود أحديتي، وإن أتجلى فإنك {لَن تَرَانِي} [الأعراف: 143] ، وإن لم تؤمن بأن من تجلى أنانيتي لا يستقر أنانيته شيء {وَلَكِنِْ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي} [الأعراف: 143] ، مع استقرار جبل أنانيتك على ما كان وجودك {فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ} [الأعراف: 143] للجبل {جَعَلَهُ} [الأعراف: 143] ، جبل أنانيته {دَكًّا وَخَرَّ موسَى} [الأعراف: 143] ، نفس المحب عن الوجود {صَعِقًا فَلَمَّآ أَفَاقَ} [الأعراف: 143] ، عن سكر شراب وجود الأنانية شاهد تحقيق قوله:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت