{لَن تَرَانِي} [الأعراف: 143] ، مع حجاب وجود الأنانية، فتاب عن ذنب الأنانية إليه، وآمن إيمان المرتبة الثانية الذي هو هويته، وقال: {تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ} [الأعراف: 143] ، بأن هويتك غيب، لا يعلم الغيب إلا الله، فالإيمان بهذا الغيب يكون بقدر غيبوبة الأنانية بشهود غيب الغيب، وكلما ازداد غيبوبته ازداد إيمانه، والغيبة لا تحصل إلا بجذبات شواهد الغيب، وهي مودعة في إدامة إقامة الصلاة؛ فلهذا قال عقيب الذين يؤمنون بالغيب قوله: {وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ} [البقرة: 3] ، والغيب ما لا تدركه الحواس الخمس الظاهرة وتدركه الحواس الخمس الباطنة، وهي: العقل والقلب والروح والسر والخفي يدل عليه قوله تعالى: {عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَا دَةِ} [الأنعام: 73] ، فالشاهدة ما تدركه الحواس الخمس، وهي: السمع والبصر والذوق والشم واللمس، وما تدركه الحواس الباطنة فهو غيب، وهي الأمور الأخروية {وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ} [البقرة: 3] ، أي: يديمونها.
قال الشيخ: بداية الصلاة إقامة ثم إدامة؛ فإقامتها المحافظة عليها بمواقيتها، وإتمام ركوعها وسجودها وحدودها وحقوقها ظاهرًا وباطنًا، وكل شيء واظب على شيء وقام به فهو مقيم، يقال: أقام فلان حج الناس، وأقام القوم سيوفهم إذا استعملوها ولم يعطلوها، وإدامتها بدوام المراقبة وجميع التهمة في التعرض لنفحات ألطاف الربوبية التي هي مودعة فيها لقوله صلى الله عليه وسلم:"إن لله في أيام دهركم نفحات ألا فتعرضوا لها"وصورة التعرض والأمر بها صورة جذبة الحق بأن يجذب صورتك عن الاستعمال بغير العبودية، وسر الصلاة حقيقة التعرض، ففي كل شرط من شروط صورتها، وركن من أركانها، وسنة من سننها، وأدب من آدابها، وهيئة من هيئاتها سر يشير إلى حقيقة تعرض لها فمن شرائطها:
الوضوء: ففي كل أدب وسنة وفرض منها سر يشير إلى طهارة يستعد بها لإقامة الصلاة.
ففي غسل اليدين: إشارة إلى تطهير نفسك عن تلوث المعاصي، وتطهير قلبك عن تلطخ الصفات الذميمة الحيوانية والسبعية والشيطانية، كما قال تعالى لحبيبه صلى الله عليه وسلم: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} [المدثر: 4] ، جاء في التفسير أي: قلبك فطهر.
وغسل الوجه: إشارة إلى نضارة وجه همتك عن دنس حب الدنيا، فإنه رأس كل خطيئة وسنبين تمامه في موضعه إن شاء الله تعالى.
ومن شرائط الصلاة استقبال القبلة، وفيه إشارة إلى الإعراض عما سوى طلب الحق والتوجه إلى حضرة الربوبية لطلب القربة والمناجاة.
ورفع اليدين: إشارة إلى رفع يد الهمة عن الدنيا والآخرة، والتكبير لتعظيم الحق بأنه أعظم من كل شيء في قلب العبد طلبًا ومحبة وعظمًا وعزة.
ومقارنة النية مع التكبير: إشارة إلى أن صدق النية في الطلب ينبغي أن يكون مقارونًا بتكبير الحق وتعظيمه في الطلب عن غيره فلا يطلب منه إلا هو، فإن طلب منه غيره فقد كبر وعظم ذلك المطلوب إلا الله تعالى، فلا تجوز صلاته الحقيقية كما لا تجوز صلاة الصورة إلا بتكبير الله، فإن الدنيا أكبر والعقبى أكبر، فلا تجوز حتى يقول الله أكبر، وكذلك في الحقيقة.