فهرس الكتاب

الصفحة 39 من 1648

وفي موقع اليمنى على اليسرى، ووضعهما على الصدر: إشارة إلى إقامة رسم العبودية بين يدي مالكه، وحفظ القلب عن محبة ما سواه.

وفي افتتاح القراءة بوجهه إشارة إلى توجيهه للحق خالصًا عن شرك طلب غير الحق.

وفي وجوب الفاتحة وقراءتها وعدم جواز الصلاة بدونها إشارة إلى حقيقة تعرض العبد في الطلب لنفحات ألطاف الربوبية بالحمد والثناء والشكر لرب العالمين، وطلب الهداية، وهي جذبة الإلهية التي توازي جذبة منها عمل الثقلين وتقرب العبد بنصف الصلاة المقومة بين العبد والرب نصفين.

والقيام والركوع والسجود: إشارة إلى رجوعه إلى عالم الأرواح، ولكن الغيب كما جاء منه فأول تعلقه بهذا العالم كان بالنباتية ثم الحيوانية ثم بالإنسانية؛ فالقيام من خصائص الإنسان والركوع من خصائص الحيوان، والسجود من خصائص النبات كما قال تعالى: {وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ} [الرحمن: 6] ، وللعبد في كل مرتبة من هذه المراتب ربح وخسران، والحكمة في تعلق الروح العلوي النوراني بالجسد السفلي الظلماني كان هذا الربح؛ لقوله تعالى على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم:"خلقت الخلق ليربحوا عليّ لا لأربح عليهم"لتربح الروح في كل مرتبة من مراتب السفليات فائدة لم توجد في مراتب العلو، وإن كان قد ابتلي أولًا ببلاء الخسران كما قال تعالى: {وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ} [العصر: 1 - 3] ، فبنور الإيمان، وعمل صالح الصلاة يتخلص خسران التكبر والتجبر الإنساني الذي من خاصيته إن تكامل في الإنسان يظهر منه {أَنَاْ رَبُّكُمُ الأَعْلَى} [النازعات: 24] ، ويفوز بربح علو الهمة الإنسانية التي إذا أكملت في الإنسان لا يلتفت إلى كون في طلب المكون كما كان حال النبي صلى الله عليه وسلم: {إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى * مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى * لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى} [النجم: 16 - 18] ، فإذا تخلص من تكبر الإنسان يرجع من القيام الإنساني إلى الركوع الحيواني للانكسار والخضوع؛ فالركوع يتخلص من خسران حالة الصفة الحيوانية، ويفوز بربح ليس الحادث، وتحمل الأذى والختم، ثم يرجع من الركوع الحيواني إلى السجود النباتي فبالسجود ويتخلص من خسران الذلة النباتية، والدناءات السفلية، ويفوز بربح الخشوع الذي يتضمن الفلاح الأبدي والفوز العظيم السرمدي.

كما قال تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ} [المؤمنون: 1 - 2] ، فالخشوع أكمل آلة للروح في العبودية قد حصل في تعلقه بالجسد الترابي ليس لأحد من العالمين هذا الخشوع، وبهذا السر أبين الملائكة وغيره أن يحمل الأمانة وأشفقن منها وحملها الإنسان باستعداد الخشوع، وكمل خشوعه بالسجود؛ إذ هو غاية التذلل في صورة الإنسان وهيئة الصلاة ونهاية قطع تعلق الروح من العالم السفلي وعروجه إلى العالم الروحاني العلوي برجوعه من مراتب الإنسانية الحيوانية والنباتية، وكمال التعرض لنفحات ألطاف الحق وبذل المجهود وإنفاق الموجود في أنانية الوجود الذي هو من شرط المصلين؛ كقوله تعالى: {وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [البقرة: 3] ، أي: من أوصاف الوجود ينفقون يبذلون للحق النصف المقسوم بين العبد والرب، فإذا بلغ السيل زباه والتعرض منتهاه أدركته العناية الأزلية بنفحات ألطافه، وهداه إلى درجات قرباته، فكما كانت جذبة الحق سبحانه وتعالى للنبي صلى الله عليه وسلم في صورة خطاب؛ إذن فجذبه الحق للمؤمن تكون في صورة خطاب:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت