فهرس الكتاب

الصفحة 375 من 1648

ثم أخبر عن الإيمان الحقيقي دون التقليدي وعلم أهل الإيمان بقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ ِالَّذِي أَنزَلَ مِن قَبْلُ} [النساء: 136] ؛ فمعناه من آمن بالتقليد ظاهرًا ينبغي له بالتحقيق والتصديق باطنًا، وبالقول ظاهرًا أن يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، وما نطق به الكتب والرسل من الوعد والوعيد، والبعث النشور والحساب، والميزان والصراط، والجنة وغير ذلك، يدل على هذا المعنى قوله تعالى: {وَمَن يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} [النساء: 136] فقد أدرج جميع ما ذكرناه وجعلناه شرط الإيمان فيه، وحكم أن عدم الإيمان بهؤلاء كفر؛ يعني: عدم الإيمان بكل ما مر ذكره كفر.

ثم اعلم أن مراتب الإيمان ثلاث: مرتبة العوام، ومرتبة الخواص، ومرتبة الأخص، فمرتبة العوام في الإيمان: ما قاله صلى الله عليه وسلم:"أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وبالبعث بعد الموت والجنة والنار والقدر خيره وشره"؛ وهو إيمان غيبي، ومرتبة الخواص في الإيمان: هو عيان، وكان ذلك أن الله تعالى إذا تجلى بصفة من صفاته وخضع جميع أجزاء وجوده، وآمن بالكلية عيانًا بعد ما كان يؤمن قلبه بالغيب، ونفسه تكفر بما آمن به قلبه، إذا كانت النفس عن تنسم روائح الغيب بمعزل، فلما تجلى الحق تعالى لحبل القلب {جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ موسَى} [الأعراف: 143] النفس، {صَعِقًا} [الأعراف: 143] ، فالنفس في هذا تكون بمنزلة موسى عليه السلام، {فَلَمَّآ أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ} [الأعراف: 143] ، فافهم جيدًا.

ومرتبة الأخص في الإيمان: غيبي وذلك بعد رفع حجب الأنانية بسطوات تجلي حجب الجلال، فإذا أفناه عنه بصفة الجلال يبقيه بصفة الجمال، فلم يبق له الدين وبقي في العين فيكون إيمان عينيًا، كما كان حال النبي صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج فلما بلغ قاب قوسين كان في حيزين فلما جذبته العناية من كينونية إلى عينونية أو أدنى، {فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَآ أَوْحَى} [النجم: 10] ، { آمَنَ الرَّسُولُ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ} [البقرة: 285] ؛ أي: صفات ربه، فآمنت صفاته بصفاته، وذاته بذاته، فصار كل وجوده مؤمنًا بالله إيمانًا عينيًا ذاته وصفاته، فأخبر عنهم فقال: {وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ} [البقرة: 285] ؛ يعني: آمنوا بهويته لا بأنانية وجودهم، فالله عز وجل من كمال رأفته ورحمته على عباده المؤمنين يشير إليهم بحقيقة هذا الإيمان بقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ} [النساء: 136] ؛ يعني: من أنانيتكم آمنتم إيمانًا غيبيًا، { آمِنُواْ بِاللَّهِ} [النساء: 136] ؛ يعني: فاسعوا إلى الله بقدم ذكره لعله بذكركم يغنيكم به عنكم، فتؤمنوا بهويته إيمانًا عينيًا، وتؤمنوا برسوله {وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ} [النساء: 136] ؛ يعني: من لم يكن له إيمان عيني في متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم لا يعرف الرسول عند هذا الكمال، فلا يكون إيمانه بالرسول حقيقيًا، ولا بالكتاب الذي نزل على الرسول تلك الليلة، ولا {وَالْكِتَابِ ِالَّذِي أَنزَلَ مِن قَبْلُ} [النساء: 136] ، وذلك أن الكتب المنزلة كلها كانت مندرجة في الكتاب الذي أنزل على الرسول تلك الليلة في سر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت