، وكان ذلك السبب الذي أخلدهم في النار.
ثم أخبر عن صورة ذلك النور في هذا العالم ورشاشته على العالمين بقوله تعالى: {يأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَآءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِن رَّبِّكُمْ} [النساء: 170] ، والإشارة أن الله تعالى جعل ابتداء إصابة النور المرشش على الأرواح بالنبي صلى الله عليه وسلم، فعبر عن هذا بقوله صلى الله عليه وسلم:"أول ما خلق الله نوري"، وكان صلى الله عليه وسلم أكملهم نورًا فشرح الله صدره بذلك النور، فعلى واستعلى النور بإمداد أنوار الوحي حتى أحاط بجميع أجزائه ظاهره وباطنه، فجعله بالكل نورًا كما كان يدعوا الله ويقول:"اللهم اجعل في قلبي نورًا وفي سمعي نورًا وفي بصري نورًا وعن يميني نورًا وعن شمالي نورًا وأمامي نورًا وخلفي نورًا وفوقي نورًا وتحتي نورًا واجعلني نورًا"، فلما جعله نورًا أرسله إلى الخلق فصار صلى الله عليه وسلم صورة ذلك النور الغيبي المرشوش على الأرواح فهو النور المرسل إلى الأجساد، فمن كان قابلًا لإفاضة نور دعوته فقد اهتدى، ومن أخطأه فقد ضل، والذي على هذا التأويل قوله تعالى: {قَدْ جَآءَكُمْ مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ} [المائدة: 15] فالنور هو محمد صلى الله عليه وسلم {يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ} [المائدة: 16] ، والسلام هو الله تعالى، {فَآمِنُواْ} [النساء: 170] بمحمد صلى الله عليه وسلم اليوم يكن {خَيْرًا لَّكُمْ} [النساء: 170] من إصابة ذلك النور المرشش، وأنتم على دين غير دينه؛ لأن بالإيمان يتصل ذلك النور الغيبي بهذا الشاهد المستفاد من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم فيكون {نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ} [النور: 35] ؛ يعني: إن كان الأنبياء يدلون من الأمم من كان إصابة النور المرشش إلى دار السلام، وهو في متابعتهم يصلون إلى دار السلام، فإن من آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم وتابعه يصل إلى السلام؛ لأن نوره الغيبي أيد بالنور الشاهدي، فصار أجره كفلين بكفل من أجره ووصل إلى الجنة، وبكفل آخر وصل إلى الله، والذي يدل على هذا قوله تعالى: {يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ َاتَّقُوا اللَّهَ وَ آمِنُواْ بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ} [الحديد: 28] ؛ يعني: من آمن من أهل الكتاب اتقوا الله في تكذيب محمد صلى الله عليه وسلم، وآمنوا برسوله وهو محمد صلى الله عليه وسلم {يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ} [الحديد: 28] ؛ يعني: من النور الذي انعم به عليكم مما أصابكم عند الرشاش حتى آمنتم بأنبيائكم به، كفلا من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم حتى تصلوا به إلى الله تعالى {وَإِن تَكْفُرُواْ} [النساء: 170] ؛ يعني: بمحمد صلى الله عليه وسلم وتؤمنوا بجميع الأنبياء فلا ينفعكم إيمانكم، وتضرون أنفسكم وفي قوله تعالى: - {فَإِنَّ للَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [النساء: 170] ، عقيب قوله {وَإِن تَكْفُرُواْ} [النساء: 170] ، إشارة إلى: إن ما في السماوات والأرض يكون لكم أن تؤمنوا وفي ميزانكم؛ لأنكم بنور الإيمان تشاهدون الآيات الدالة على الوحدانية، كما قيل ففي كل شيء له آية تدل على أنه واحد، {وَإِن تَكْفُرُواْ} [النساء: 170] ، فلم يكن ما في السماوات والأرض لكم ويكون لله وعليكم، فافهم جيدًا.