فهرس الكتاب

الصفحة 453 من 1648

{قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ والْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ} [النمل: 65] ، يشير إلى غيب الغيب؛ لأن ما سواه يعلمونه بإعلام الله إياهم.

ثم قال: {مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَآ أَمَرْتَنِي بِهِ} [المائدة: 117] ؛ أي: بأمر التكوين خلقت في حتى قلت لهم: {أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ} [المائدة: 117] ؛ يعني: لما أقررت بربوبيتك وعبودية نفسي كيف أقول لهم اتخذوني وأمي إلهيم من دون الله {وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ} [المائدة: 117] ؛ أي: كنت شاهدًا على إقرارهم بوحدانيتك {فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ} [المائدة: 117] ؛ أي: كنت القادر على أن تحفظهم على التوحيد؛ إذ كنت رقيبًا والرقيب هو الحافظ، وكنت عليهم شهيدًا وليس للشهيد إلا الحضور والشهادة {وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [المائدة: 117] ؛ يعني: كما كنت شهيدًا عليهم ما دمت فيهم كنت أيضًا عليهم شهيدًا، فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم والشهيد وما كنت شهيدًا ولا رقيبًا.

وكان لك القدرة على محافظتهم على التوحيد وكنت عاجزًا عن محافظتهم في الحياة والوفاة {إِن تُعَذِّبْهُمْ} [المائدة: 118] ، بسبب التوحيد عنهم وإيجاد الشرك فيهم {فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ} [المائدة: 118] ؛ يعني: إني اشهد لهم إنهم عبدوك يومًا ما لأني شهيد ليس علي إلا الشهادة كما قال تعالى: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ} [النساء: 41] ، {وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ} [المائدة: 118] ، بأنهم عبدوك يومًا، وما كان لهم الخيرة أن تسلب عنهم التوحيد {فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ} [المائدة: 118] ، تعز بعزتك من تشاء ليس لأحد أن يعترض على ما تشاء ويمنعك عما تشاء {الْحَكِيمُ} [المائدة: 118] ، في كل حال أن تعذبهم فلا يخلو على حكمة وإن تغفر لهم فلا يخلو عن حكمة.

ثم أخبر عن صدق قول عيسى عليه السلام ونفع صدقه بقوله تعالى: {قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ} [المائدة: 119] ، إلى آخر السورة، والإشارة فيها أن الله تعالى إنما خص يوم القيامة بنفع الصادقين؛ لأن الصدق يحتمل في الدنيا النفع والضر للصادق مثل أن يأمر بمعروف أو ينهى عن منكر من صدقه؛ فتصيبه منه مضرة في نفسه وماله أو جاهه، ولعله ينال من ثمرة الصدق قبولًا وجاهًا ومالًا وملكًا يشغله عن الله تعالى فيضره وربما يكون الصادق صدق في طلب الحق في الدنيا، ثم يضر عنه ولم يبق له ذلك الصدق، فأشار بقوله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم إلى الذين ماتوا على الصدق ووردوا القيامة مع صدقهم.

ثم أخبر عن نفع صدقهم بقوله تعالى: {لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا} [المائدة: 119] ، وهذا الجزاء للصادقين فوز كبير كقوله تعالى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت