فهرس الكتاب

الصفحة 462 من 1648

ثم قال {وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ} [الأنعام: 19] أي: قل يا محمد وأوحي إلى هذا القرآن وهو معجز من أعظم المعجزات وهو الجوامع الكلم التي أويتها {لأُنذِرَكُمْ بِهِ} [الأنعام: 19] ، وأنبئكم بآياته وحقائقه وإعجازه لما فيه من أخبار الأمم السالفة، ولما فيه من الأعلام لما سيكون فكان مثل ما قال: {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} [المائدة: 67] أي: من أن يقتلوك، فكان النبي صلى الله عليه وسلم معصومًا منهم.

وقال تعالى: {لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ} [التوبة: 33] ، فأظهر الله تعالى دين الإسلام على سائر الأديان بالحجة القاطعة وغلبة المسلمين على أكثر أقطار الأرض، وقال تعالى في اليهود وكانوا في وقت مبعثه أعز قوم وأمنعهم: {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ} [البقرة: 61] ، فهم أذلاء إلى يوم القيامة، وأتى في القرآن بما كان وبما يكون وأوتي به مؤلفًا تأليفًا لم يقدر أحد من العرب أن يأتي بسورة مثله، وهم في الوقت الذي قيل لهم: ائتوا بسورة خطباء بلغاء شعراء لم يكن عندهم شيء إلا وجد من الكلام المنثور والموزون، فعجزوا عن ذلك فهذا كله حجة الله على من أدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم {وَمَن بَلَغَ} [الأنعام: 19] ، بلغت نبوته ودعوته في حال حياته وبعد وفاته، وفيه إشارة أخرى: وهي لا تدرككم به ومن بلغه القرآن أعني وقف على حقائقه أيضًا ينذركم به متابعة لي، ويقول: بعد وفاتي بظهور ما أخبر القرآن بظهوره بعدي مع اليهود والنصارى وسائر المشركين {أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى} [الأنعام: 19] ، بعد ظهور الإسلام على الأديان كلها، وبعد أن بلغ ملك هذه الأمة من الشرق إلى الغرب.

كما أخبر صلى الله عليه وسلم قال:"زويت لي الأَرْضَ فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا وَإِنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زُوِي لي مِنْهَا"، فأي دليل أقوى وأظهر من هذا، كما قيل: إذا طلع الصباح استغني عن المصباح، ثم قال تعالى: {قُل لاَّ أَشْهَدُ} [الأنعام: 19] ؛ يعني: فإن أصمهم الله وأعمى أبصارهم حتى لا ينتبهوا عن نومه الغفلات ولا يسمع هذه التقريرات، ولا يبصروا هذه المشاهدات والمعاينات، وهم يشهدون آلهة أخرى في الظواهر من الأوثان، وفي الباطن من الهوى والدنيا ويعبد بها من دون الله {قُلْ} [الأنعام: 19] ، أنت يا محمد لا أشهد ما لا أشهد ما تشهدون لأني أشاهد من شهود الحق ما لا تشاهدون {إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ} [الأنعام: 19] ، وقد شاهدت وحدانيته بوحدته {وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ} [الأنعام: 19] ، من الاثنينية التي أوبقتكم من الشرك.

ثم أخبر عن أهل المعرفة وذكر أهل النكرة بقوله تعالى: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَهُمُ} [الأنعام: 20] ، إلى قوله:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت