فهرس الكتاب

الصفحة 463 من 1648

{مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} [الأنعام: 24] ، الإشارة فيها أن الله تعالى ميز أهل المعرفة من أهل النكرة، إذ قال بعد قوله: {أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُل لاَّ أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ} [الأنعام: 19] .

{الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ} [الأنعام: 20] أي: فهمت قلوبهم حقائق الكتاب حتى تنورت بأنوارها فهم من ذلك يعرفونه؛ أي: يعرفون الله أنه إله واحد لا شريك له، ويجوز أن الهاء في قوله: يعرفونه عائدة إلى النبي صلى الله عليه وسلم نور كقوله تعالى: {قَدْ جَآءَكُمْ مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ} [المائدة: 15] ، فالنور هو محمد صلى الله عليه وسلم، والنور لا يدرك ولا يعرف إلا بالنور، فإن الكفار من أهل الكتاب فلما كانوا أصحاب الظلمة ما عرفوا الله ولا رسوله، كقوله تعالى: {وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ} [البقرة: 89] ، وفي قوله تعالى: {يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ} [البقرة: 164] ، إشارة إلى أن الآباء قد تحقق عندهم أنهم مصادر الأبناء ومبدأ وجود الأبناء منهم، فكذلك أهل المعرفة قد تحقق عندهم أن الله تعالى مصدرهم ومبدأ وجودهم منه تبارك وتعالى، وهو إله واحد لا شريك له ولكن {الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ} [الأنعام: 20] ، بإفساد استعداد فطرة الله التي فطر الناس عليها، وهو قبول نور الإيمان أفسدوه بانهماكهم في الشهوات الحيوانية ومتابعة الهوى {فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} [الأنعام: 20] ، بأن الله إله واحد؛ لأنهم من نور الإيمان بمعزل.

{وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا} [الأنعام: 21] ، بأن يفسد استعداده الفطري فيضع الآلهة من الهوى والدنيا موضع إله واحد {أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ} [الأنعام: 21] ، إذ يراها فلا يعرفها من عمى القلب {إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ} [الأنعام: 21] ، من عمائهم؛ لأن من كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت