فهرس الكتاب

الصفحة 52 من 1648

{الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَآءً} [البقرة: 22] ، فيه إشارة إلى تعريفه نفسه بالقدرة الكاملة ومنته على عباده وعزة عباده عنده وفضيلتهم على جميع المخلوقات من عباده بأن جعل لهم بنفسه فراشًا كالأرض ودنيا كالسماء، وأما عزة عباده عنده بأن خلق السماوات والأرض وما فيها لأجلهم وسخرها لهم لقوله تعالى: {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ} [الجاثية: 13] ، فكان وجود السماوات تبعًا لوجودهم وما كان وجودهم تبعًا لوجود شيء إلا وجوده، ولهذا السر أمر الله تعالى ملائكته بالسجود لآدم عليه السلام وحرم على آدم وأولاده السجود لغير الله، ليظهر أن الملائكة وإن كانوا قبل وجود آدم أفضل الموجودات فلما خلق آدم عليه السلام جعله مسجودًا للملائكة ليكون هو أفضل المخلوقات وأكرمهم على الله تعالى ومتبوع كل شيء والكل تابع له.

قال تعالى: {وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ} [البقرة: 22] ، تحقيقه أن الماء هو القرآن، وثمراته: الهدى والتقى والنور والرحمة والشفاء والبركة واليمن والسعادة والقربة والحق واليقين والنجاة، والرفعة والصلاح الفلاح والحكمة والموعظة والحلم والعلم والآداب والأخلاق والعزة، والغنى والتمسك بالعروة الوثقى والاعتصام بحبل الله المتين، وإجماع كل خير وختام سعادة زهوق باطل الوجود الإنساني عند مجيء تجلي حقيقة الصفات الربانية لقوله تعالى: {قُلْ جَآءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا} [الإسراء: 81] ، فأخرج بماء القرآن هذه الثمرات من أرض قلوب عباده فكما أن الله منَّ على عباده بإخراج الثمرات وقال: {فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ} [البقرة: 22] وكان للحيوان فيها رزق؛ ولكن يتبعه الإنسان كما قال تعالى: {مَتَاعًا لَّكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ} [النازعات: 33] .

كذلك القرآن بثمراته كان رزقًا مختصًا بالإنسان وللملائكة والجن كان لهم فيه رزق ولكن بتبعية للإنسان وهذا مما لا تدركه العقول المشوبة بالوهم والخيال؛ بل تدركه العقول المؤيدة بتأييد الفضل والنوال.

قوله تعالى: {فَلاَ تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَادًا} [البقرة: 22] ، فيه ثلاثة معانٍ:

أولها: أن هذا الذي جعلت لكم من خلق أنفسكم وخلق السماوات والأرض ما فيها ليس شأن أحد غيري، {وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 22] ، فلا تجعلوا لي أندادًا في العبودية.

وثانيها: إني جعلت السماوات والأرض والشمس والقمر كلها واسطة أرزاقكم وأسبابها وأنا الرازق فلا تجعلوا الوسائط أندادًا لي، {لاَ تَسْجُدُواْ لِلشَّمْسِ وَلاَ لِلْقَمَرِ} [فصلت: 37] .

وثالثها: إني خلقت الموجودات وجعلت لكل شيء حظًا في شيء آخر وجعلت حظ الإنسان في محبتي ومعرفتي، وكل محظوظ لو انقطع عنه حظه لهلك فلا تنقطعوا عن حظوظكم من محبتي ومعرفتي بأن تجعلوا لي أندادًا وتحبونهم كحب الله.

{وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا للَّهِ}

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت