فهرس الكتاب

الصفحة 56 من 1648

{إِنِّي آنَسْتُ نَارًا} [طه: 10] ، فتكون تارة تلك النار نار صفة غضب كما كان لموسى عليه السلام إذ اشتد غضبه اشتعلت قلنسوته نارًا أو تارة يشاهد النار وهي صفة الشيطنة، وتارة تكون نار المحبة تقع في محبوبات النفس فتحرقها، وتارة تكون {نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ * الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الأَفْئِدَةِ} [الهمزة: 6 - 7] فتخرق عليهم بيت وجودهم {إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ * فِي عَمَدٍ مُّمَدَّدَةِ} [الهمزة: 8 - 9] فالصورة النارية المشاهدة مشابهة بعضها ببعض.

كما قال تعالى: {وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهًا} [البقرة: 25] ، ولكن السالك الواصل يحد من كل نار منها ذوق صفة أخرى كما مر في ثمار الجنة فافهم واغتنم فإنك لم تجد هذه الحقائق والمعاني في كتب أخرى.

{وَلَهُمْ فِيهَآ أَزْوَاجٌ} [البقرة: 25] ، أي: لأرباب الشهود في جنات القربات أزواج من أبكار الغيب {مُّطَهَّرَةٌ} [البقرة: 25] ، من ملامسة الأغيار {لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلاَ جَآنٌّ} [الرحمن: 56] .

{وَهُمْ فِيهَا} [البقرة: 25] ، في اقتضاء، فهم {خَالِدُونَ} [البقرة: 25] ، كما قال صلى الله عليه وسلم:"إن من العلوم كهيئة المكنون لا يعلمها إلا العلماء بالله فإذا نطقوا بها لا ينكرها إلا أهل الغرة بالله".

واعلم أن كل شيء يشاهد في الشهادات كما أن له صورة في الدنيا له معنى حقيقي في الغيب ولهذا كان النبي صلى الله وعليه وسلم يسال الله تعالى بقوله:"أرنا الأشياء كما هي"فتكون في الآخرة صورة الأشياء وحقاقئها حاصلة، ولكن الحقائق والمعاني على الصورة غالبة فتربى في الآخرة صورة شيء بعينه فتعرفه فتقول: {هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ} [البقرة: 25] فيكون الاسم والصورة كما كانت ولكنها في ذوق آخر غير ما كنت تعرفه ولهذا قال ابن عباس رضي الله عنهما: ليس شيء في الجنة مما في الدنيا غير الأسماء، وهذا كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"كل كلم يكلمه المسلم في سبيل الله يكون يوم القيامة كهيتها، إذا طعنت تفجر دمًا فاللون لون الدم والعرف عرف المسك"فالآن لون ذلك الدم في الشهادة حاصل ولكن عرفه في الغيب لا يشاهد، ففي الآخرة يشاهد الصورة الدنيوية والمعاني الغيبية فافهم جدًا واغتنم.

ذكر بعد إظهار الحقائق في الأمثلة المتناسبة لتفهم المعاني المتشابهة قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلًا} [البقرة: 26] ، إلى قوله: {الْفَاسِقِينَ} [البقرة: 26] ، {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْى} أي: لا يبالي الله أن يضرب مثلًا {مَّا بَعُوضَةً} [البقرة: 26] ، أي: يلبس المعاني كسوة الأمثلة لبيان البعوضة {فَمَا فَوْقَهَا} [البقرة: 26] ، في الحقارة والصغر أو فوقها في الكبر كالذباب والعنكبوت وذلك لأن في كل شيء من العرش العظيم والذرة الحقيرة لله تعالى آية تدل العباد إلى المعبود، وتهدي القاصد إلى المقصود ففي البعوضة دلالات وآيات إذا جاعت قويت وطارت، وإذا شبعت تشققت وتفلت فهذه تدل على الإنسان فإنه إذا جاع رجع إلى الله تعالى، وإذا أشبع يتبع الهوى كما قال تعالى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت