{فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ} [القمر: 55] ، {يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ} [الأعراف: 157] وهو طلب الحق والميل إليه، {وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ} [الأعراف: 157] وهو طلب ما سواه والانقطاع عنه، {وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ} [الأعراف: 157] إلى القربات إلى الله تعالى، وإن الطيب هو الله تعالى، {وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ} [الأعراف: 157] وهي الدنيا وما يباعدهم عن الله، {وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} [الأعراف: 157] ؛ يعني: إصرهم من العهد الذي كان بين الله تعالى وبين حبيبه صلى الله عليه وسلم، بأن لا يوصل أحد إلى مقام أميته وحبيبته إلا أمته وأهل شفاعته تبعيته، كما قال تعالى: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31] ، وقال صلى الله عليه وسلم:"الناس يحتاجون إلى شفاعتي حتى إبراهيم"فكان من هذا العهد عليهم شدة وأغلال منعهم من الوصل إلى هذا المقام.
فقد وضع النبي صلى الله عليه وسلم عنهم الإصر والأغلال بالدعوة إلى متابعته، يؤكد هذا المعنى قوله تعالى: {فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ} [الأعراف: 157] ؛ أي: وقروه، واختصاص هذا المقام أنه مخصوص به من بين سائر الأنبياء والرسل، {وَنَصَرُوهُ} [الأعراف: 157] بالمتابعة، {وَاتَّبَعُوا النُّورَ ِالَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ} [الأعراف: 157] ؛ يعني: حين اختطف بأنوار الهداية عن أنانيته فاستفاد نور الوحدة، كما قال تعالى: {قَدْ جَآءَكُمْ مِّنَ اللَّهِ نُورٌ} [المائدة: 15] ؛ يعني: محمد صلى الله عليه وسلم، {وَكِتَابٌ مُّبِينٌ} [المائدة: 15] ؛ يعني القرآن، فأمروا بمتابعة هذا النور؛ ليقتبسوا منه نور الوحدة فيفوزوا بالسعادة الكبرى والنعمة العظمى.
{َأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الأعراف: 157] من حجب الأنانية الفائزون بنور الوحدة، ثم أمر الله تعالى حبيبه صلى الله عليه وسلم أن يخبرهم أنه هو رسول الله المبعوث إليهم جميعًا، ثم بعد تعريفه لهم عرف نفسه فقال تعالى: {قُلْ يأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [الأعراف: 158] ؛ أي: سماوات القلوب وأرض النفوس، {لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ} [الأعراف: 158] ؛ أي: لا مدبر فيهما غيره، {يُحْيِي} [الأعراف: 158] قلب من يشاء بنور الوحدة، {وَيُمِيتُ} [الأعراف: 158] نفسه عن صفات البشرية والأنانية، {فَآمِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ} [الأعراف: 158] ؛ يعني: آمنوا إيمان أهل التوحيد بالله وبرسوله المخصوص بعد الرسالة والنبوة بالله بنور الله وهو: نور الوحدة، وكلماته وهي: ما أوحى الله إليه ليلة المعراج بلا واسطة، كما قال تعالى: { آمَنَ الرَّسُولُ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ} [البقرة: 285] ؛ يعني: إيمان العيان في مقام الوحدة.
ثم أمرهم باتباعه للوصول إلى مقام الوحدة وخصوصية أميته، فقال تعالى: {وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ} [الأعراف: 158 - 159] إلى قوله: {بِمَا كَانُواْ يَظْلِمُونَ}