فهرس الكتاب

الصفحة 6 من 1648

{مَسَّنِيَ الضُّرُّ} [الأنبياء: 83] ، أي أفنيتني عني بضاريتك {وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [الأنبياء: 83] ، والواو فيه واو الحال أي: في هذا الحال أرحم عليَّ من جميع الراحمين؛ لأن رحمة الرحماء على المرحومين بالنعمة والمنحة في الظاهر لدفع الفقر والمرض وذلك أيضًا بلاء؛ بلاء النعمة لبعضهم رحمة وهم أهل الوفاء، ولبعضهم نقمة وهم أهل الجفاء، كما قال تعالى: {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلًا} [الكهف: 7] .

فأهل الوفاء: أوفوا بما عهدوا الله على ترك الشهوات النفسانية والزينة الدنيوية حتى اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم {بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ} [التوبة: 111] .

وأهل الجفاء: نقضوا عهد الله من بعد ميثاقه، وقطعوا ما أمر الله به أن يوصل، وأفسدوا استعدادهم بالركون إلى زينة الدنيا، واتباعهم الهوى أولئك هم الخاسرون؛ فصارت عليهم النعمة في الظاهر نقمة في الحقيقة، فالنعمة توجب الإعراض، كما قال تعالى: {وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى الإنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ} [الإسراء: 83] .

ومس الضر يوجب الإقبال إلى الله تعالى؛ لقوله تعالى: {وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَآءٍ عَرِيضٍ} [فصلت: 51] فأنت رحمة عليَّ بدفع النعمة والصحة على أنها مظنة الإعراض، وأفنيتني بك عني فلما جاوز الضر حده آل إلى ضده، فما أبقى الضرب مني شيئًا، وما بقي الضر كالنار إذ لم تبق من الحطب شيئًا لا تبقى النار، فإذا لم يبقى الضر ما بقي إلا الرحمة، فبنظر الرحمة نظرت إليك فرأيتك رحمة أرحم الراحمين، فإذا تحققت هذا فاعلم أن المرتبة الثانية من بلاء المحنة لأهل السلامة كما كان حال أيوب وإبراهيم ويونس وغيرهم من الأنبياء - عليهم السلام - في المرتبة الثانية السلامة.

وأما المعنى الثاني: في حمل السين على السلامة في المرتبة الثانية فهو أنا ذكرنا أن الباء في افتتاح الكتب إشارة إلى البلاء لأهل الولاء، وقررنا أن الإنسان لا يخلو من البلاء بحال، وأثبتنا أن البلاء على نوعين بلاء المحبة وبلاء النعمة، فبلاء النعمة ما يكون مع سلامة الدين والدنيا لأهلهما، فالسين بعد باء البلاء إشارة إلى أهل الصفاء كما ذكر. فإن قيل: ما الفرق بين بلاء المحنة وبلاء النعمة التي هي الرحمة وكلامها السلامة في الدنيا والآخرة؟ قلنا: الفرق بينهما من وجهين:

أحدهما: أن بلاء المنحة وإن كانت السلامة ولكن يخلو بها صاحبها من المحنة.

إمَّا في ابتداء أمره: كما كان حال إسماعيل ويوسف - عليهما السلام - ابتلاهما الله تعالى بالمحبة في حال عبادتهما فخلصهما منها بعد ذلك وأعطاهما النبوة والملك كما حكى الله تعالى عن يوسف عليه السلام:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت