{وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا} [الكهف: 45] .
"مقيت"على خلقه من العرش إلى الثرى، بيانه: {وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقِيتًا} [النساء: 85] .
"مكرم"أوليائه من العرش إلى الثرى، بيانه: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ} [الإسراء: 70] .
"منعم"على خلقه من العرش إلى الثرى، بيانه: {وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً} [لقمان: 20] .
"مِفْضَلُ"عما خلقه من العرش إلى الثرى، بيانه: {إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ} [البقرة: 243] .
"مصور"خلقه من العرش الى الثرى، بيانه: {الْخَالِقُ الْبَارِىءُ الْمُصَوِّرُ} [الحشر: 24] .
قال الشيخ المحقق مصنف الكتاب رحمه الله تعالى: الباء بلاؤه لأنبيائه وأحبائه، والسين سلامه لأوليائه وأصفيائه، والميم معروفة مع أهل ولائه في ابتلائه ومعرفة مبتلاه بالابتلاء، وإنه لأوليائه وأصفيائه ومنته على أهل سلامته بالآئه ونعمائه وسلامة القلب وصفائه.
قال رحمه الله تعالى: قيل: ما المناسبة في حمل هذه الحروف على هذه المعاني؟
قلنا: إن مناسبة حمل الباء على البلاء وفي ابتداء كلامه وابتداء خطابه أن الإنسان في أصل الجبلة وبدء الخلقة خلق مجبولًا على الابتلاء، قال الله تعالى: {إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ} [الإنسان: 2] إنما بنى أمر خلقته على الابتلاء؛ لأنه خلق للمحبة والولاء، كما قال تعالى: {فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} [المائدة: 54] ، والمحبة مظنة الابتلاء كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم:"إذا أحب الله عبدًا ابتلاه وإذا أحبه حبًا شديدًا اقتناه فإن صبر ورضي اجتباه، قيل: يا رسول الله وما اقتناه؟ قال: لا يبقى له مالًا وولدًا".
وإن مناسبة حمل السين على السلامة في المرتبة الثانية من افتتاح الكتاب، فلمعنيين:
أحدهما: أن السلامة مرتبة لأهل البلاء؛ لأن البلاء على نوعين: بلاء المحبة وبلاء النعمة، فبلاء المحبة على نوعين: بلاء المحبة وبلاء المحنة، وبلا النعمة على نوعين: بلاء الرحمة وبلاء النقمة، فأما بلاء المحبة فمخصوص بالأنبياء والأولياء كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن البلاء موكل بالأنبياء والأولياء ثم بالأمثل فالأمثل"فمنهم من يختص ببلاء المحنة كما كان حال أيوب عليه السلام، ومنهم من يختص بلاء النعمة كما كان حال سليمان عليه السلام، واعلم أن الطريق إلى الله تعالى جادة المحنة أقرب من جادة المنحة؛ لأن غبار بلاء المحنة بناء خُلَّص الأنبياء والأحباء أبرز، فَنزه النبوة والمحنة عن تدنس غش معدن الإنسانية وبموت الحسية الحيوانية.
كما جاء: البلاء للولاء كاللهب للذهب، فأهل المحنة مجذوبون بجذبة البلاء واصلون إلى المُبلي غير منقطعين في رتبة البلاء بالغون إلى كعبة وصال المحبوب، ألا ترى أن أيوب عليه السلام كيف وصل بجذبة {مَسَّنِيَ الضُّرُّ} [الأنبياء: 83] ، إلى مشاهدة كمال {وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [الأنبياء: 83] ، وذلك لأنه تمسك بيد الصبر على جذبة الضر فسمه الضر إلى الضار، فأنسته لذة مشاهدة الضار عن شهود ألم الضر، فأرى أن الضر كان جذبة فوصله إلى الضار فعرفها أنها رحمة في صورة بلاء المحنة رحمه بها محبوبه وخلصه من حبس وجوده، فقال: