فهرس الكتاب

الصفحة 632 من 1648

ثم صب النبي صلى الله عليه وسلم ما صب الله تعالى في صدره من حقائق السكينة والتأييد في صدر أبي بكر رضي الله عنه بتصرف قوله:"لا تحزن إن الله معنا"فنزلت السكينة على أبي كبر وحصل له التأييد بقوله صلى الله عليه وسلم:"ما ظنك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما"ليستحق بذلك كله أن يكون ثانيه في الخلافة.

{وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى} [التوبة: 40] يشير به إلى الذين ارتدوا من العرب بعد النبي صلى الله عليه وسلم من دفع الزكاة، فقهرهم الله تعالى وأظهر أبا بكر عليهم، {وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا} [التوبة: 40] وهي قول الحق الذي قاله الصديق:"والله لو منعوا عقالًا كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم عليه"، {وَاللَّهُ عَزِيزٌ} [التوبة: 40] يعز بعزته أولياءه بالنصر، {حَكِيمٌ} [التوبة: 40] فيما يذل بحكمته أعداءه بالقهر.

ثم أخبر عن حق الأولياء على قهر الأعداء بقوله تعالى: {انْفِرُوا خِفَافًا} [التوبة: 41] إلى قوله: {وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ} [التوبة: 47] انفروا أيها الطلاب في طلب الحق خفافًا مجردين من علائق الأولاد والأهالي منقطعين من علائق الأموال والأملاك، {وَثِقَالًا} [التوبة: 41] مشمولين ومتأهلين، وأيضًا خفافًا من قطع علائق تعلقات الكونين وثقالًا معتصمين بحبل الثقلين، وأيضًا خفافًا مجذوبين بالعناية وثقالًا سالكين بالهداية، {وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ} [التوبة: 41] بإنفاقها، {وَأَنْفُسِكُمْ} [التوبة: 41] ببذلها، {فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [التوبة: 41] في السير إلى الله على قدمي بذل الأموال والنفس، وإنما قدم أثقال المال في طلب الحق على بذل النفس؛ لأن بذل النفس مع بقاء الصفات الذميمة غير معتبر، وإنما الاعتبار بأن ينقي النفس عن دنس صفاتها، ثم تفنى ببذلها في الله بالله لله، فإن من صفاتها الذميمة الحرص على الدنيا والبخل بها، فأشار بإنفاق المال إلى ترك الدنيا؛ لينقطع عن النفس وصفاتها ما هو مادة تربيتها وتقوية صفاتها.

{ذالِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ} [التوبة: 41] يعني: ترك الدنيا وبذل النفس خير لكم في طلب الحق من الله والنفس، {إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} [التوبة: 41] قدر طلب الحق وعزة السير إليه، فإن الحاصل من المال والنفس الوزر والوبال، والحاصل من طلب الحق الوصول والوصال، ثم قال تعالى: {لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا} [التوبة: 42] لو كان مطلوبك يا محمد الدنيا، وزينتها، {وَسَفَرًا قَاصِدًا} [التوبة: 42] وهي تتبع شهوات النفس وهواها، {لاَّتَّبَعُوكَ} [التوبة: 42] أرباب النفوس وطلاب الدنيا، {وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ} [التوبة: 42] ولأنها الخروج عن الدنيا وزينتها وترك شهواتها وقهر النفس وقمع صفاتها فلم يكونوا متابعيك.

{وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ} [التوبة: 42] يعني: أرباب النفوس، {لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ} [التوبة: 42] يا أرباب القلوب من الدنيا وما فيها كما خرجتم عنها، {يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ} [التوبة: 42] في مهالك شهوات الدنيا؛ إذ لم يخرجوا عنها وما يخلفون عن عدم الاستطاعة للخروج، {وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [التوبة: 42] فيما يخلفون؛ لأن استطاعة الخروج شاملة لكافة الخلق مركوزة في جبلتهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت