ثم قال تعالى: {عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ} [التوبة: 43] قدم العفو على العتاب تصديقًا وتحقيقًا؛ لقوله تعالى: {لِّيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} [الفتح: 2] وقوله تعالى: {لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ} ما كان على وجه الكتاب حقيقة؛ بل كان على وجه إظهار لطفه معه وكما رأفته في حقه؛ لقوله: {لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ} [التوبة: 43] جعل فائدة عدم الإذن راجعة إليه صلى الله عليه وسلم لا إلى غيره؛ يعني: ليحصل ذلك العلم والمعرفة بمن صدقك أنه مؤمن، {وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ} [التوبة: 43] المنافقين من المؤمنين الصادقين.
ثم بيَّن الصادقين والكاذبين فقال: {لاَ يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} [التوبة: 44] أي: إن يطلب الإذن المقصود عن الجهاد المعنوي والصوري من لم يكن إيمانه بالنور الإلهي الموجب لليقين؛ بل يكون إيمانه تقلدًا ونفاقًا، {أَن يُجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ} [التوبة: 44] {إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ} [التوبة: 45] عند عدم الإيقان.
{فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ} [التوبة: 45] أي: في ظلمة ريبهم، {يَتَرَدَّدُونَ} [التوبة: 45] بين أوصافهم الذميمة النفسانية والطبائع الحيوانية لا داعية لهم في الخروج عنها إلى الأنوار الروحانية والأخلاق الربانية.