وقوله: {هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي} [يوسف: 26] لمَّا بهتت عليه أخذ يقضي عن حقيقة الحال، ولو لم يبهت لما فضحا قوله: {وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَآ} [يوسف: 26] قيل كان صبيًا في المهد شهد بذلك كرامة ليوسف، ولم يكن ضمير في يوسف أن ينطق الله ذلك النبي، فلمَّا حفظ يوسف أمر الله حفظ أمره وأنطق ببراءة يوسف.
وقوله: {وَاسْتَبَقَا الْبَابَ} [يوسف: 25] لمَّا دفع يوسف قدمًا لله تعالى لا آثما به، أيده الله بعصمة، ولمَّا تحير التجأ إلى الله تعالى فأعانه وحكي أن واحدًا من المشايخ جاور مكة عشرين سنة، فاشتهى اللبن فخرج بطلبه فوقع بصره على جارية عسقلانية وشغف قلبه بها فقال: يا جارية أين تذهبين؟ فقالت: يا شيخ لو كنت عارفًا لما تبعت شهوتك، ولو كنت صادقًا في دعوى المحبة لما تعلق قلبك بي، ولمَّا تجاسرت على النظر إلي، فلمَّا سمع الشيخ كلامها ندم وقلع عينيه بإصبعه ورمى بها، فمضت أيام وأزالت الألم عنه القرار، فرأى ليلة يوسف في منامه وقال له: أقر الله عينك بسلامتك عن الجارية العسقلانية، ومسح بيده عينه، فاستيقظ وله عينان مضيئتان أشد ضوءًا مما كانت قبله.
وقوله: جزاء عنها {قَالَتْ مَا جَزَآءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا} [يوسف: 25] إلا كانت تكرمه وتعظمه وتدار به، فلمَّا وصلت إلى حضرة سيدها، وخافت سطوته قلبت الأمر وسعت به وخاصمته {قَالَتْ مَا جَزَآءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا} [يوسف: 25] فكذا العبد ينفق عمره على مراعاة الأهل والولد ويسعى بأمورهم، فإذا رأى أهوال القيامة، وخاف من سطوة الملك الجبار أعرض عن الكل كما قال: {يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ} [عبس: 34 - 35] .
فمحبة العادات تدوم إلى مخالفة الحبيب فحينئذ تنقطع، ومحبة الشهوات تدوم إلى زوال الشهوة، ومحبة الولادة تدوم إلى الموت، ومحبة الواصلة تدوم إلى الفراق، ومحبة العشق إلى أن تتباعد، ومحبة الطمع في الأغنياء تدوم إلى المنع والرد، ومحبة التعاون على أمر الحق والتوافق على الاعتقاد والحق تدوم إلى الجنة كما قال: {الأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ} [الزخرف: 67] ومحبة الحق تعالى مؤبدة كما قال الله تعالى: {يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} [المائدة: 54] .
ولمَّا شهد اليهود على مريم بالفساد، وشهد عيسى ببراءتها كما قال: {إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ} [مريم: 30] إلى قوله: {وَبَرًّا بِوَالِدَتِي} [مريم: 32] ولمَّا رمي يوسف بالتهمة شهد الصبي ببراءته، ولمَّا شهد الكفار بأن الله اتخذ ولدًا شهد المؤمنون ببراءته وتقديسه غير ذلك، ولمَّا شهد المنافقون على عائشة - رضي الله عنها - مما لم تفعل برأها الله مما قالوا، ويحكى أنه لمَّا نال يوسف الملك أمره الله على لسان جبريل بأن يجعل ذلك الشخص الذي شهد ببراءته وهو في المهد وزيرًا له قضاء لحق شهادته له، فنرجو أن الله لا يضيع شهادتنا بتوحيده وتقديسه مدة عمرنا.