فهرس الكتاب

الصفحة 773 من 1648

{عَسَى أَن يَنْفَعَنَا} [القصص: 9] فصدق ظنها ونالت المعرفة بسببه، وقال يعقوب: {عَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا} [يوسف: 83] فصدق بصدق ظنه، فكذا قول الله عز وجل: {عَسَى اللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ} [التوبة: 102] أولى وأحق أن يتحقق قوله تعالى: {وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ} [يوسف: 23] ليكون نظر يوسف إليها، وكذا إذا أكرم عبدًا أغلق عليه أبواب الشهوات واللذات، ونفره عن الخلق حتى يكون جملة نظره مقصورة على أموره.

وقيل: غلبت هي الأبواب؛ ليكون يوسف معها ويخلو للشهوة، واللهُ تعالى فتح له باب العصمة؛ ليخرج طاهرًا نقيًا من بين ذلك ليعلم أن الباب الذي يغلقه المخلوق يسهل، والباب الذي يغلقه الله لا يفتحه أبدًا أحدًا، قال الله تعالى: {مَّا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ} [فاطر: 2] ولمَّا رد يوسف بتهمة وهمية أيد من الله تعالى بالعصمة؛ ليعلم أن من جاهد في الله أيد بتوفيقه كما قال: {وَالَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} [العنكبوت: 69] .

وقيل: كانت الحكمة في ذلك أن الملائكة قالوا: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا} [البقرة: 30] فابتلوا بهاروت وماروت، وموافقته المرأة من غير مراودة منها، وعصم يوسف مع حسنه وجمال المرأة ومراودتها ليكرمه بالعرض على الملائكة، ويعلمهم أنه يعلم ما لا تعلمون، كما قال الله تعالى: {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 30] والنكتة فيه أنه لمَّا التجأ في ابتداء الأمر إلى الله واستعاذ به أعاذه وعصمه، فينبغي للمؤمن أن يفزع في ابتداء هوله إليه ليعيذه، وكذا ينبغي أن يكون أمر المؤمن في إشارة رضاء الله أغلب من إشارة هوى نفسه، فقد قيل خمسة أشياء من أعجب العجائب:

* أحدها: أن الله تعالى [مهد ويسر] للخلق ما في الأرض، ثم إنهم يبخلون برغيف.

* والثاني: أنه أمدهم بنعمه، قال: {وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ} [النحل: 53] ، ثم إنهم استعملوها في خدمة عدوه.

* والثالث: أنه يغيث لمن استغاث، وهم يفزعون إلى مخلوق ضعيف لا ينفع ولا يضر في إلا بإغاثة الله تعالى إياه كذلك.

* الرابع: أنهم يرجون ثوابه، ثم يعملون للخلق.

* والخامس: أنه خالقهم ورازقهم وملكهم، وتمر إليه كل أمورهم وهو مطلع عليهم، ثم أنهم يستحيون عنه في ضعيف مثلهم ولا يستحيون منه.

وقيل لمَّا اجتمع يوسف والمرأة في موضع واحد صاح الشيطان فرحًا، قال: ظفرت به، فرد فرحه بعصمة الله، ولمَّا وصل موسى إلى البحر وكان وراءه فرعون وجنوده فرح الشيطان وقال: البحر أمامهم والسيوف وراءهم ولم يدر أن النجاة كانت حظهم من الله تعالى، فكذلك أمر المؤمن وقت النزع إن أيد بعناية لن يضره من شيطان ونجا من المخاوف على مراغمة الشياطين عصمنا الله في شرهم.

وروي أن كافرًا قتل مسلمًا في غزاة، ثم إن القفل انفتح في قلب القاتل وأقبل إلى صف المؤمنين، وآمن وأقبل على الكفار وقاتلهم حتى قتل فدفنا في موضع واحد، وروي أنهما معًا في الجنة، فإذا كان الله معك فمن يضرك، وإذا كان الله عليك فمن ينقذك، وإذا نصرك فمن يهينك، وإذا خذلك فمن ينصرك، جعلنا الله من المحظوظين بعنايته ورعايته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت