وقيل: إن ينتهي بلاء بقرب سبب رد السائل وذبحه العجل بحضرة أمه، ثم ينفرج وينكشف، فما أمر البلاء إلى الفرج بعد اشتداده وقوله تعالى: {وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ} [يوسف: 84] كأن خلا عنهم بنفسه، واشتغل بما ابتلي به، وتأسف على يوسف، فلهذا كان خوفه على يوسف أشد، وأتاه كيدهم فإنه مقيم باختياره.
وقوله: {وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ} [يوسف: 84] إشارة إلى أنه ينبغي أن يذكر الأنبياء بالحرمة، فلم يقل عمي عند بلائه بعبادة حسنة، فقال: {وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ} [يوسف: 84] .
وقوله: {وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [يوسف: 86] إنما قال ذلك لأنه روي أنه أتاه ملك الموت وهو في صومعته فسلم عليه، فقال له يعقوب، من أنت؟ فقد اقشعرت أعضائي واضطربت بسلامك، فقال: أنا ملك الموت الذي لا يمنعني حصن حصين، فقال يعقوب: كنت أرجو أن أرى يوسف قبل أن أموت، فالآن جئتني لقبض روحي، فقال: ما جئت روحك ولو جئت كذلك ما أمهلت ساعة، فقال له يعقوب: بحق الله هل قبضت روحي يوسف؟ قال: لا هو حي وستلقاه عن قريب.
فلذلك قوله: {وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [يوسف: 86] قال بعض أهل الإشارة: لمَّا كان خوف يعقوب من قبض ملك الموت روح يوسف أتاه الأمن جهة خوفه فبشره ملك الموت، فكذا المؤمن خوفه من الموت ولا خوف على المؤمن إن مات على الإيمان كما قال: {تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلاَئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ} [فصلت: 30] .
وروي أيضًا: أن يوسف كان يومًا في الصحراء فرأى أعرابيًا ركاب نجيبة فقال له: أين تقصد؟ قال: كنعان، فقال يوسف: لي معك سفر فمن حقك أن تحقني ما أعهد إليك، فعاهده الأعرابي أن يأتي بما تعهد إليه، فقال له: إذا دخلت أرض كنعان فاذهب إلى يعقوب فقل له: إن ابنك يوسف بأرض مصر، وإن طلب منك علامة فالعلامة هذه السقطة على سرتي، فلمَّا وصل الأعرابي إلى أرض كنعان أتى إلى يعقوب وقال: يا نبي الله أبشر فيوسفك المفقود بأرض مصر ويقرأ عليك السلام، فقال: بأي علامة؟ فذكر العلامة، فقال: ما حاجتك؟ فقال الأعرابي: لي مال كثير وليس لي ولد، ادعو الله لي بالولد فدعا له فرزقه بنين له، فلهذا قال: {وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [يوسف: 86] .
فأملى يعقوب كتابًا فكتبوه:
من يعقوب ابن إسحاق بن إبراهيم خليل الله إلى والي مصر:
اعلم أني قد كبرت وضعفت، وذهب عني النوم [والراحة] ، ونحن أهل بيت هم أهل البلاء، وهدف المحنة، وامتحنت بفارق قرة عيني يوسف منذ أربعين سنة أنا مبتلي بفراقه، وهذا الابن الآخر اتهمته بالسرقة وهو ابن نبي الله وليس بسارق، فالله الله أرسله إلي فهو مؤنسي، وإن لم ترسله إلي ضرك دعائي عليك، فإن الله لا يرد دعاء المظلومين، ودفعه إلى روبيل ابنه حتى يوصله إلى يوسف.