فهرس الكتاب

الصفحة 784 من 1648

فقال يوسف: بلغه سلامي وقل له: إن إبراهيم صبر وظفر، وكذا إسحاق فاصبر كما صبروا تظفر كما ظفروا، فلمَّا سمع جواب الكتاب قال: هذا كلام الأنبياء! يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه.

قوله: {يأَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ} [يوسف: 88] أظهروا عجزهم وأعرضوا ما كان لهم وعدوه يسيرًا، ثم أظهروا ضرهم بقولهم: فأوف لنا الكيل ثم أظهروا ضرورتهم، فقالوا: أو تصدق علينا، ثم نكروا كرم الحق بقولهم: {إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ} [يوسف: 88] ففعل يوسف أيضًا خمسة أشياء عاتب بقوله: {هَلْ عَلِمْتُمْ مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ} [يوسف: 89] لقنهم حجتهم بقوله: {إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ} [يوسف: 89] حتى يقولوا: فعلنا بجهالة، ثم عفا بقوله: {قَالَ لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ} [يوسف: 92] وثم صار شفيعًا في حقهم بقوله: {يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ} [يوسف: 92] ثم قوى رجاهم في قلوبهم بقوله: {وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [يوسف: 92] .

فكذلك أيها العبد المؤمن تب إلى الله كما قال: {وَالَّذِينَ جَاهَدُواْ} [العنكبوت: 69] وتوبوا إلى الله جميعًا أيها المؤمنون وأنب إليه كما قال: {وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ} [الزمر: 54] {فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ} [الذاريات: 50] ثم تستمر لعبادته كما قال: {وَالَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} [العنكبوت: 69] احترز من كيد الشيطان كما قال: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا} [فاطر: 6] ثم خالف هواك كما قال: وأمَّا من خالف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى، فإذا فعلت ذلك أكرمت بالقبول كما قال: {وَقَابِلِ التَّوْبِ} [غافر: 3] بالمغفرة كما قال: {إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا} [الزمر: 53] وتبديل السيئات الحسنات كما قال: {فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ} [الفرقان: 70] وبالنجاة من العذاب كما قال: {ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا} [مريم: 72] وبدخول الجنة كما قال: {يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ} [غافر: 40] .

وقوله: {إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ} [يوسف: 94] يحكى أن ريح الثوب لم يجدها الإخوة ووجدها يعقوب؛ لأن الإخوة كانوا عاقين لوالديهم، وكان الثوب من الجنة فلم يجدوا ريحه، ثم بعد ذلك رحموا وغفروا وقيل لم يجدوا ريح الثوب؛ لأنهم ما احترموا يوسف، بل هتكوا حرمته فلا جرم لم يجدوا ريحه كما لا يجد غير التائب ريح التوبة في الآخرة.

وقيل: كان ليوسف قميص المحبة {وَجَآءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ} [يوسف: 18] ، وقميصه الفتنة {وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ} [يوسف: 25] وقميصه البشارة، {اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا} [يوسف: 93] ولمَّا كان يوم البلاء تباغضوا، ولمَّا كان يوم الفرح توادوا واستبشروا وتنافسوا أنهم يذهب بالقميص ويبشر يعقوب به، هكذا قال الله تعالى: {وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} [آل عمران: 140] فسبحانه من عزيز حميد فقال: لما يريد بقلب الدهور ويحدث الأمور بعد الأمور.

وقوله: {سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي} [يوسف: 98] قيل: إنما أخر؛ لأن ما ينال بالهوينا لا يعرف قدره فأراد أن يكونوا بين الخوف والرجاء، ثم إذا نالوه فإن أهل الجنة لو طلقوا فيها لما عرفوا قدرها، وقيل: إنما أخر الاستغفار؛ لأن يعقوب عليه السلام كان شفيعًا، والشفيع لا يشفع إلا برضاء الخصم، فأخر حتى يسترضى يوسف قوله:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت