{وَقَدْ أَحْسَنَ بَي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ} [يوسف: 100] ولم يقل: إذ أخرجني في الجب بحضرة إخوته إنه كان في الجب أيامًا قليلًا وهي ثلاثة أيام.
وروي أنه ما بات في الجب وبقي في السجن سنين كان مع غير أبناء الجنس، وكان في الجب الملك يؤنسه؛ ولأنه لم يرد أن يذكر أمر الجب بحضرة إخوته إذ هم جعلوه فيه تكرمًا وتلطفًا، فلقد عفا عنهم {قَالَ لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ} [يوسف: 92] وطلب المغفرة لهم كما قال: {يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ} [يوسف: 92] وقوى رجائهم بقوله: {وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [يوسف: 92] ولم يذكر لهم ما فعلوه معه وأحال ذنبهم على الشيطان فقال: {مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي} [يوسف: 100] ، وبدأ ينزغ الشيطان بنفسه فقال: {بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي} [يوسف: 100] وصلوات الله عليه وعلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم خاصة، وعلى سائر الأنبياء والمرسلين الذين كانوا معادن الكرم واللطف ومحاسن الشيم عامة.
وقوله: {رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ} [يوسف: 101] أخاف إعطاء الملك من الله تعالى؛ لأنه هو {مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَآءُ} [آل عمران: 26] ، وقال: {مِنَ الْمُلْكِ} [يوسف: 101] ولم يقل: من الملك؛ لأنه كان ملك مصر فحسب، وكذا ملك المخلوقين في الدنيا لا يكون كاملًا بل يكون معيبًا بالنقائص وآمنًا ملكهم التام في الدار السلام؛ إذ يلقون ما يشتهون ولا يمتنع عليه مراد كما قال: {وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا} [الإنسان: 20] أهلنا الله لذلك بلطفه وكرمه، وإنما بدأ بذكر الله ثم يعلم التأويل؛ لإن مقصوده من الملك كان بث المعدلة وإمساك الطعام على الدعية، والسبب إلى إبقاء أرواحهم فكان هذا النفع أعم من نفع علم التأويل، فلهذا قدم ذكره وقيل: أعطي ثلاثة من الأنبياء النبوة والعلم والملك، وأود كما قال: {وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَآءُ} [البقرة: 251] وسليمان ويوسف، وأعطي محمد صلى الله عليه وسلم النبوة والعلم وملك القناعة، وأعطي عيسى النبوة والعلم وملك الزهد في الدنيا.
وأخبر عن يوسف أنه قال: {أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنُيَا وَالْآخِرَةِ} [يوسف: 101] ، وقال لحبيبه صلى الله عليه وسلم: {ادْعُوا شُرَكَآءَكُمْ} [القصص: 64] ثم كيدون فلا تنظرون {إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ} [الأعراف: 196] وقال في حق المؤمنين: {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ} [البقرة: 257] فانظر هل توازي هذه الكرامة كرامة؟ ثبتنا الله على الإيمان.
قوله: {تَوَفَّنِى مُسْلِمًا} [يوسف: 101] يدل على: إن من حق العبد أن يتضرع دائمًا إلى الله في تثنيته على الإيمان، وكذا قوله تعالى خبرًا عن إبراهيم