وقال أهل الإشارة: إن المؤمن له برهان من ربه في صدره من معرفته فرأى ذلك البرهان وزواجره، وقال سهل: عصمه الله من الفعل ولم يعصمه من الهم، وقال المزني: غلب عليها الطبع فهمت بالمعصية وغلب على يوسف التوفيق.
ومن العبر والمواعظ والفوائد في هذه القصة.
* أنه قال: لقد كان في يوسف وإخوته فلم ينقطع الوصلة بينهم بالجفاء الذي وقع منهم؛ لبقاء أصل الدين في مؤاخاته بخلاف ابن نوح، فإنه قال في حقه: {إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ} [هود: 46] ولا في إخوة يوسف عزموا على أن يتضرعوا إلى الله إلى التوبة والإنابة.
كما أخبر عنهم بقوله تعالى: {وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ} [يوسف: 9] قال بعض المفسرين: وأمَّا كنعان فلم يعزم على الالتجاء إلى الله تعالى، بل {قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَآءِ} [هود: 43] .
* ومنها: روي أنه ابتلي بذلك الفراق؛ لأن امرأته حين وجدت ريح قدرهم فسألت عن يعقوب من ذلك الطعام فقال: اذهبي إلى بيتك مشاهدي إليك، ثم نسي وعدهم فابتلي بذلك الفراق، وقيل: ببيدائه ذبح عجلًا بحضرة أمه فينبغي أن يعتبر ويحترز من أمثال ذلك.
* ومنها: أنه أظهر لبنيه زيادة محبة ليوسف فحملهم ذلك على أن فعلوا ما فعلوا، فينبغي أن يعتبر المؤمن ويسوي بين أولاده جهده في المحبة وأن لم يمكنه فليكتم ذلك عنهم، ولذلك يستحب في شرعنا التسوية بين الأولاد في العطاء.
* ومنها: ألاَّ يأمن من نزغات الشيطان في حال من الأحوال، فإنهم كانوا من أبناء النبي عليه السلام ومع ذلك نزغ الشيطان بينهم.
* ومنها: اجتناب الجسد إذا حملهم الحسد على فعلهم ذلك.
* ومنها: أن المحبة سبب البلاء، فمن ادَّعى المحبة فليستعد للبلاء.
* ومنها: ألاَّ يوثق بكل أحد، ولا يؤتمن على أحد، ائتمن يعقوب بينه على ابنه فأصابه منهم ما أصاب.
* ومنها: أن الأولاد فتنة، ولقد روي في القصة أنه التمس من الله أن يرسله، فيعمد إلى الصحراء فلم يرد أن يمسكه.
* ومنها: فضيلتي الصبر، فلقد صبر يعقوب فنال الفرج، وصبر يوسف فنال الملك والمراد، وصبرت زليخاء فبلغت المقصود.
* ومنها: فضيلة الحلم، فلقد حلم عنهم حين قدر عليهم وقال: {قَالَ لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ} [يوسف: 92] .
* ومنها: أن الإقرار بالذنب سبب العفو، فإنهم قالوا: {وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ} [يوسف: 91] قابلهم بأنه قال: {قَالَ لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ} [يوسف: 92] .
* ومنها: من يريد الله رفعه فلن يضره كيد كائد، فلقد كادوا ليوسف فلم يمكنهم دفع رفعته {وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ} [يوسف: 21] ولقد كاد الكفار رسولنا صلى الله عليه وسلم كما قال تعالى: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ} [الأنفال: 30] فلم يدفعوا مراد الله فيه، فكذلك المؤمن إذا كانت معه عناية الله لم يضره كيد جني ولا كيد أنسي به، ونسأل الله تعالى ألاَّ يخلبنا عن عنايته ورعايته بفضله وكرمه فهم بموعظتها، وقال رويم: همت زليخاء بالمعصية، وهم يوسف بالرجوع إليها في الفرار منها، وذلك قوله عز وجل: