فهرس الكتاب

الصفحة 80 من 1648

ثم أخبر عن علامة نفس الإنسان وخستها ودناءة سمتها بقوله تعالى: {وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نَّصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ} [البقرة: 61] ، والإشارة فيها أنه هكذا حال من لم يرض بقضائه، ولم يشكر على نعمائه، ولم يصبر على بلائه يكله إلى نفسه بالخذلان، ويرده إلى مقاساة الذل والهوى فيلقي جلباب الحياء، ويقطع حبل الوفاء بسكين الجفاء، ويبيح سفك دماء الأنبياء.

روي عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لقد كانت بنو إسرائيل تقتل الغداة الواحدة ثلاثمائة نبي، ثم يقوم سوق بقتلهم من آخر النهار، وما يكترثون بقتلهم، منهم من كان يأمر بالحق فينشر بالمنشار، ومنهم من كان يرجم"ويقال: كان بنو إسرائيل متفرقي الهموم ومشتتي المقصود، ولم يرضوا لأنفسهم بطعام واحد ولم يكتفوا في تدينهم بمعبود واحد، حتى قالوا لموسى عليه السلام لما رأوا قومًا ما يعبدون الصنم: {اجْعَلْ لَّنَآ إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ} [الأعراف: 138] هكذا صفة أرباب التفرقة يجدون الصبر مع الواحد شديد، قال الله تعالى: {وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْ آنِ} [الإسراء: 46] ، {وَحْدَهُ وَلَّوْاْ عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا} [الإسراء: 46] فكما أن بني إسرائيل لم يصبروا على طعام واحد كان ينزل عليهم من السماء، وقال لموسى عليه السلام من خساسة طبعهم وركاكة عقلهم: {فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ} [البقرة: 61] ، كذلك نفس الإنسان من خسة طينتها ودناءة همتها لم تصبر على طعام واحد يطعمها الرب الواحد واردات الغيب وإلهامات الرب، كما كان يصبر نفس النبي صلى الله عليه وسلم ويقول:"لست كأحدكم فإني أبيت عند ربي ويطعمني ويسقيني"بل تقول لموسى القلب: {فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ} أرض البشرية {مِن بَقْلِهَا} [البقرة: 61] ، الشهوات الحيوانية {وَقِثَّآئِهَا} [البقرة: 61] ، اللذات الجسمانية.

{قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى} [البقرة: 61] ، من البقول الدنيوية الفانية {بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ} [البقرة: 61] ، أي: الباقيات الأخروية التي خير عند ربك {اهْبِطُوا مِصْرًا} [البقرة: 61] ، القالب السفلي من مقامات الروح العلوي {فَإِنَّ لَكُمْ مَّا سَأَلْتُمْ} [البقرة: 61] ، من المطالب الدنيوية والمقاصد الردية.

{وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ} [البقرة: 61] ، كالبهائم والأنعام بل هم أضل سبيلًا؛ لأنهم {وَبَآءُو بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ} [البقرة: 61] ، من الواردات الغيبية والمكاشفات الروحية ويئسوا منها وطلبوا غيرها {وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ} [البقرة: 61] أي: يتركون ما يفتح الله لهم من أنباء الغيب في مقام الأنبياء إضرارًا بهم {ذلِكَ} [البقرة: 61] يعني: حصول هذه المقامات، {بِمَا عَصَواْ} [البقرة: 61] ، ربهم في نقض العهد وتبدل المجهود في طاعة المقصود {وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ} [البقرة: 61] ، من طلب الحق في مطالبة ما سواه.

ثم أخبر عن حال أهل السلامة من ثبت منهم على الاستقامة بقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ} [البقرة: 62] ، والإشارة فيها بقول تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ} [البقرة: 62] ، من مدعي الإسلام وغيرهم {وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا} [البقرة: 62] يعني: كان نور الله نور قلبه حتى آمن بذلك النور، كما قال تعالى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت