فهرس الكتاب

الصفحة 81 من 1648

"كنت له سمعًا وبصرًا ولسانًا فبي يسمع وربي يبصر وبي ينطق"كذلك هاهنا من آمن بالله من جملة المذكورين فبي يؤمن لا بالتقليد والرسم والعادة والاقتداء بالآباء وأهل البلد {فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ} [البقرة: 62] أي: ثوابهم وجزاؤهم {عِندَ رَبِّهِمْ} [البقرة: 62] أي: مقام العندية والوصول، {1649وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} [البقرة: 62] ، من حجب الأنانية {وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 62] ، بالأنانية لأن بها ينقطع الطالب عن المطلوب ويحتجب المحب عن المحبوب، ولذلك قال تعالى: {أَلا إِنَّ أَوْلِيَآءَ اللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} [يونس: 62] ، لأن الولي من أخرجه الله من ظلمات الأنانية والاثنينية إلى نور الوحدة والهوية، كما قال تعالى: {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُمْ مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} [البقرة: 257] ، فافهم جدًّا.

وفيه معنى آخر {مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} [البقرة: 62] ، بمعنى يوم البعث الذي فيه جزاء الأعمال وعمل صالحًا للقبول، فمعناه عمل على متابعة محمد صلى الله عليه وسلم لأنه من يعمل على غير متابعة دين الإسلام لم يكن عمله صالحًا للقبول، ويدل عليه قوله تعالى: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} [آل عمران: 85] .

وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لو أدركني عيسى ابن مريم ثم لم يدخل شريعتي ومنهاج ديني لأكبه الله على وجهه في النار"ما استغنى [بنبوبته] فكيف أنتم: {فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ} [البقرة: 62] ، لا عند غيره من الجنة والنار {وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} [البقرة: 62] ، فيما يرجعون إليه {وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 62] ، على ما كانوا عليه، أو جعلهم الله من المقبولين له.

ثم أخبر عن الميثاق عنهم وأن آبائهم عند رفع الطور فوقهم لابتلائهم بقوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ} [البقرة: 63] ، إلى قوله: {وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ} [البقرة: 66] والإشارة فيها أن أخذ الميثاق كان عامًا في عهد {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ} [الأعراف: 172] ولكن قومًا أجابوه شوقًا وقلقًا، وقومًا أجابوه خوفًا وفرقًا، ليتحقق أن الأمر بيد الله في كلتا الحالتين، يسمع خطابه من يشاء موجبًا للهداية ويسمع من يشاء موجبًا للضلالة، فإنه لا برهان أظهر من رفع الطور عيانًا، فلما أوبقهم الخذلان لم يكن ينفعهم البرهان والعيان في قوله تعالى: {خُذُواْ مَآ آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ} [البقرة: 63] ، إشارة إلى أن أخذ ما يؤتي الله تعالى من الأوامر والنواهي وسائر الطاعات والعلوم وغير ذلك لا يمكن بقوة الإنسانية إلا بقوة ربانية وتأييد إلهي كما كان في حق يحيى عليه السلام قوله تعالى: {يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ} [مريم: 12] ، ربانية لأنه كما كان في حال صباه، ولم يكن له قوة نفسانية لقوله تعالى: {وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا} [مريم: 12] .

{وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ} [البقرة: 63] أي: في كتاب الله تعالى من الرموز والإشارات والدقائق والحقائق {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 63] ، بالله عما سواه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت