{وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَسْتَ مُرْسَلًا} [الرعد: 43] فيه إشارة إلى أن من يقول عن الرسول صلى الله عليه وسلم إنه ليس مرسلًا من الله كما قالت الفلاسفة: إنه حكيم وليس برسول فقد كفر {قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ} [الرعد: 43] بتحقيق رسالتي مرسلًا من الله، كما قالت الفلاسفة: إنه حكيم وليس برسول فإنه أرسلني وأنزل علي الكتاب الذي جئت به إليكم {وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ} وهو الذي علمه القرآن وعلمه البيان وأراه آيات القرآن ومعجزاته فبذلك علم حقيقة رسالته وشهد بها، والله أعلم.
قال أهل المعاني: {لَهُ مُعَقِّبَاتٌ} [الرعد: 11] أ ي: أن أوامر الله عز وجل على وجهين: أحدهما: قضى حلوله ووقوعه لصاحبه ذلك مما لا يوصفه أحد ولا يغيره بشر، والآخر: قضى صرفه بالتوبة والدعاء والصدقة والحفظ والدليل، على هذا قصة قوم يونس في دفع النداء عنهم بدعائهم وتضرعهم وتوبتهم، وروي أنه:"دَخَلَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ رضي الله عنه عَلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فَقَالَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَخْبِرْنِي عَنْ الْعَبْدِ، كَمْ مَعَهُ مِنْ مَلَك؟ فَقَالَ: عَلَى يَمِينِك مَلَكٌ عَلَى حَسَنَاتِك، وَهُوَ أَمِينٌ عَلَى الْمَلَكِ الَّذِي عَلَى الشِّمَالِ، فَإِذَا عَمِلْت حَسَنَةً كُتِبَتْ عَشْرًا، وَإِذَا عَمِلْت سَيِّئَةً قَالَ الَّذِي عَلَى الشِّمَالِ لِلَّذِي عَلَى الْيَمِينِ: أأَكْتُبُ؟ فَيَقُولُ لَهُ: لاَ، لَعَلَّهُ يَسْتَغْفِرُ اللهَ وَيَتَوبُ، فإِذَا قَالَ ثَلاَثًا، قَالَ: نَعَمْ، اُكْتُبْ أَرَحْنَا اللهُ مِنْهُ، فَبِئٍصَ الْقَرِينُ، مَا أَقَلَّ مُرَاقَبَتَهُ للهَِّ، وَأَقَلَّ اسْتِحْيَاءَهُ مِنَّا، يَقُولُ اللهُ: {مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} ، وَمَلَكَانِ مِنْ بَيْنِ يَدَيْكَ وَمِنْ خَلْفِك يَقُولُ اللهُ: {لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ} وَمَلَكٌ قَابِضٌ عَلَى نَاصِيَتِك، فَإِذَا تَوَاضَعْت للهَِّ رَفَعَك، وَإِذَا تَجَبَّرْت عَلَى اللهِ قَصَمَك، وَمَلَكَانِ عَلَى شَفَتَيْك، لَيْسَ يَحْفَظَانِ عَلَيْك إلاَّ الصَّلاَةَ عَلَى مُحَمَّدٍ، ومَلَكٌ قَائِمٌ عَلَى فِيك، لاَ يَدَعُ أَنْ تَدْخُلَ الْحَيَّةُ فِي فِيك، وَمَلَكَانِ عَلَى عَيْنَيْك، فَهَؤُلاَءِ عَشْرَةُ أَمْلاَكٍ عَلَى كُلِّ ابْنِ آدَمَ يَتَبَدَّلُونَ، مَلاَئِكَةُ اللَّيْلِ عَلَى مَلاَئِكَةِ النَّهَارِ، لأَِنَّ مَلاَئِكَةَ اللَّيْلِ سِوَى مَلاَئِكَةِ النَّهَارِ، فَهَؤُلاَءِ عِشْرُونَ مَلَكًا، عَلَى كُلِّ آدَمِيٍّ، عشرة بالنهار وعشرة بالليل وَإِبْلِيسُ بِالنَّهَارِ، وَوَلَدُهُ بِاللَّيْلِ"قال قتادة وابن جريج: هذه ملائكة الله عز وجل يتعاقبون فيكم بالليل والنهار وذكر لنا أنهم يجتمعون عند صلاة العصر وصلاة الصبح، قال: إن السر في قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا} [الرعد: 12] يريكم أنوار محبته فمن خائف من يساره وطامع في يمينه.
وقال أبو بكر الثقفي: وورود الأحوال على الأسرار عندي كالبرق ولا يمكث، بل يلوح فإذا لاح ربما أزعج في خائف خوفه وربما حرك من محب محبته، قال أبو بكر طاهر: خوفًا من أعراض الكدورة في صفاء المعرفة، وطمعًا في الملاك به في إخلاص المعاملة.