فهرس الكتاب

الصفحة 85 من 1648

{أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ} [الأنعام: 122] .

وكما أن البقرة بعد ذبحها ضرب على القتيل قام بإذن الله تعالى، وقال: قتلني فلان، كذلك من ضرب لسان النفس المذبوح بسكين الصدق على قتيل القلب بمداومة الذكر يحيي الله قلبه بنوره فيقول، {وَمَآ أُبَرِّىءُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ} [يوسف: 53] .

{كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى} [البقرة: 73] ، يحيي الله الأجساد في الآخرة والقلوب في الدنيا، {وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ} [البقرة: 73] ، دلالة مع الخواص وبراهينه مع أخص الخواص، كما قال تعالى في خواص المؤمنين {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ} [فصلت: 53] ، وقال في يوسف عليه السلام وهو أخص الخواص: {وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ} [يوسف: 24] {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [البقرة: 73] ، فأثبت الله تعالى العقل لمن كان مستعدًا لرؤية آياته باستحقاق إرادة الله تعالى آياته لا برؤية نفسه، فإن العقل الحقيقي هو المستفاد من أنوار مواهب الله تعالى، كما قال تعالى: {وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُورٍ} [النور: 40] ، وقال في الذين لهم عقل المعاش دون المستفاد: {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ} [البقرة: 18] .

ثم أخبر عن أهل هذه الشقاوة ووصفهم بالقساوة بقوله تعالى: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِّن بَعْدِ ذلِكَ} [البقرة: 74] ، والإشارة في تحقيق الآية أن اليهود وإن شاهدوا عظيم الآيات، وطالعوا واضح البينات فحين لم تساعدهم العناية ولم توافقهم الهداية لم تزدهم كثرة الآيات إلا قسوة على قسوة، ولم تنزلهم من مكامن التقدير إلا شقوة على شقوة، وذلك لأن الله تعالى أراهم الآيات الظاهرة فرأوها بنظر الحس، ولم يرهم البرهان الذي يراه القلب فيعجزهم عن التكذيب والإنكار، يدل عليه قوله تعالى: {وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ} [يوسف: 24] .

وسُئل الحسن ابن منصور رحمه الله عن البرهان فقال: البرهان واردات ترد على القلوب تعجز النفوس عن تكذيبها، فهكذا حال بعض المغرورين الممكورين من يدعي الطلب إذا لم يكن لهم شيخ كامل واصل حين شرعوا في الرياضة وأخذوا في المجاهدات بترك اللذات والشهوات يلوح لهم من صفاء الروحانية ظهور بعض الآيات وخرق العادات، فإذا لم يكن مقارنًا برؤية البرهان ليكون مؤيدًا بالتأييد الإلهي مؤكدًا بالعناية الأزلية لم يزدهم إلا العجب والغرور والخسران والقساوة والطغيان، وأكثر ما يقع هذا للبرهان والمتفلسفة الذين استدرجهم الحق بالخذلان من حيث لا يعلمون، وإنما شبه قلوبهم بالحجارة للقسوة وعدم اللين للذكر الحقيقي كقوله تعالى: {ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الزمر: 23] ، والذكر الحقيقي ما يتداركه الحق بذكره كقوله تعالى: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ} [البقرة: 152] .

ثم بين أنها دون الحجارة بقوله: {وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ} [البقرة: 74] ، والإشارة فيها إلى مرتبة القلوب في القسوة؛ بعضها بمرتبة الحجارة التي تنفجر منها الأنهار، وهو قلب تظهر عليه تغلبات أنوار الروح لصفائه بعض الأشياء المشبهة بخرق العادات كما يكون لبعض الرهابين والكهنة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت