وبعضها بمرتبة {وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَآءُ} [البقرة: 74] ، وهو قلب تظهر عليه في بعض الأوقات عند انخراق حجب البشرية من أنوار الروح، فيريد بعض الآيات والمعاني المعقولة، كما يكون لبعض الفلاسفة والشعراء.
وبعضها بمرتبة {وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} [البقرة: 74] ، وهو قلب فيه بعض الصفاء فيكون بقدر صفائه قابل عكس أنوار الروح من وراء الحجب، فيقع فيه الخوف والخشية كما يكون لبعض أهل الإيمان.
وأهل هذه لمراتب مشتركة بين قلوب المسلمين وغيرهم، فالفرق بينهم أن أحوال هذه المراتب للمسلمين مؤيدة بنور الإسلام، فتزيد في قربهم وعلوهم ودرجاتهم ولغيرهم غير مؤيدة بالإيمان، فتزيد في غرورهم وردهم واستدراجهم، والمسلمون مخصوصون من غيرهم بكرامات وفراسات تظهر لهم من تجلي أنوار الحق دون غيرهم، كما قال تعالى: {أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ} [الزمر: 22] ، وسيجيء شرحه في موضعه إن شاء الله تعالى، وبعض القلوب بمرتبة الحجارة القاسية التي لا يؤثر فيه القرآن والأخبار والحكمة والموعظة لقوله تعالى: {أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً} [البقرة: 74] ، وهذا القلب مخصوص بالكافر والمنافق، فإنه قلب مختوم عليه وفيه الدلالة على أن القلوب على فطرة الله التي فطر الناس عليها، ثم بالابتكار والجحود واستيلاء حب الدنيا وزخارفها وتتبع الشهوات ولذاتها تقسوا وتشتد قسوتها، كقوله تعالى: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِّن بَعْدِ ذلِكَ} [البقرة: 74] .
{وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [البقرة: 74] أي: يجازيكم عاجلًا وآجلًا، فأما عاجلًا: بأن يجعل إنكاركم سبب غفلة وقسوة قلوبكم فيقسيها بأعمالكم الفاسدة ويطبع عليها بطابع إنكاركم وجحودكم كما قال تعالى: {بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ} [النساء: 155] وقال صلى الله عليه وسلم:"ما من قلب إلا هو بين أصبعين من أصابع الرحمن، فإن شاء أقامه وإن شاء أزاغه"وأما أجلًا يعاقبكم يوم القيامة على قدر سيئات أعمالكم، كما قال تعالى: {وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا} [الشورى: 40] .