{قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيرًا} [المائدة: 77] ، في هذه الآيات أيضًا إشارة إلى بعض المنتمين إلى هذه الطائفة من مدعي الإخلاص في الصحبة في طريق الحق، فينضم إلى الأولياء وأرباب القلوب ظاهرًا، ثم يصدق له الإرادة ويميل إلى أهل الغفلة، وله مع هذه الطريقة جانب؛ كلما دعته هواتف الحظوظ يسارع إلى الإجابة طوعًا، وإذا قادته دواعي الحق يتكلف كرهًا من الحالة ما لم يختص نيته، وما أشد ندمه فيما أؤخر عن الله تعالى إن لم يصلح طويته حين اشترى بالحقوق الباقية الحظوظ الفانية.
ثم أخبر عن وساوسهم الشيطانية وهواجسهم النفسانية بقوله: {وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ} [البقرة: 80] ، إلى قوله: {خَالِدُونَ} البقرة: 81]، والإشارة فيها: أن بعض المغرورين بالعقل من ضلاَّلا الفلاسفة وجهال الطبائعية وغيرهم نوط غفلتهم وغلبات مغاليط ظنونهم، قد ظنوا أن قبائح أعمالهم وفضائح أفعالهم وأقوالهم لا تؤثر في صفاء أرواحهم، وتغيير أحوالهم، فإذا فارقت الأرواح إلى حضائر القدس، ولا يصحبها شيء من نتائج الأعمال.
{إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً} [البقرة: 80] ، وذلك من فطام الأرواح عن ألبان التمتعات الحيوانية، وهذا ظن فاسد وكفر صريح من وسواس الشيطان وهواجس النفوس وليس بمعقول؛ لأن العاقل يشاهد حسًا وعقلًا أن تتبع الشهوات الحيوانية واستيفاء اللذات النفسانية تورث الأخلاق الذميمة من الحرص والأمل والحسد والبغض والغضب والبخل والكبر والكذب وغير ذلك؛ إن هذه وإن كانت من صفات النفس الأمارة بالسوء؛ فتصير بالمجاورة والشعور بأخلاق الروح ويتدنس بها، ويتكدر صفاؤه، ويتبدل أخلاقه الروحانية الملكية من الحلم والكرم والمروة والصدق والحياء والعفة والصبر والشكر وغير ذلك بالأخلاق الحيوانية السبعية الشيطانية، وإن الذي يرتاض نفسه بالمجاهدات وترك الشهوات وينهاها عن المألوفات والمستلذات، ويمنعها عن الأخلاق المذمومات تورث هذه المعاملات مكارم الأخلاق وصفاء القلب ورقة النظر وصدق الفراسة وإصابة الرأي ونور العقل وعلو الهمة وغلو السر وشوق الروح وتحننه إلى وطنه الأصلي، وغير ذلك من المقامات العلية والأحوال السنية، فلا يشك العاقل في أن الروح المتبع للنفس الأمارة، كما يكون للعوام، لا يكون مساويًا بعد المفارقة مع الروح المتبع لإلهامات الحق كما يكون للخواص؛ لقوله تعالى: {أَفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّن يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [الملك: 22] ، وبعضهم قالوا: وإن تكدرت الأرواح بقبائح أفعال الأشباح فدنست بقدر تعلقاتها بمحبوبات طباعهم فبعد المفارقة بقيت في العذاب أيامًا معدودة على قدر انقطاع التعلقات عند وزر الكدورات، ثم يتخلص من العذاب ويرجع إلى حسن المآب، وهذا خيال فاسد، وكذبهم الله تعالى بقوله: {بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ} [البقرة: 81] ، تظهر على مرآة قلبه بقدرها دينًا، فإن تاب محي عنه، وإن لم يتب ويصر على السيئات حتى إذا أحاطت مرآة قلبه زين السيئات بحيث لا يبقى فيه الصفاء الفطري، وخرج منه نور الإيمان وضوء الطاعات فأحبط أعماله الصالحات وأحاط به الخطيئات {فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 81] ، والذي يدل على هذا قوله تعالى: