فهرس الكتاب

الصفحة 901 من 1648

"أول ما خلق الله روحي"ولا يحتمل أن يكون المخلوق الأول المطلق إلا واحدًا؛ لأن الشيئين المغايرين لا يكون كل واحد منهما أولًا في التكوين والإيجاد على الإطلاق؛ إذ لا يخلو إما أُحدثا مصاحبين أو أُحدثا متعاقبين، فإن أُحدثا مصاحبين معًا فلا يختص أحدهما من الآخر بالأولية فلا يكون واحد منهما أولًا على الانفراد، وإن أُحدثا متعاقبين يكون المبتدأ أولًا والمتعاقب ثانيًا؛ فيكون الأول واحدًا منهما لا محالة ولا يجوز الخلاف في كلام النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه الذي جاء بالصدق {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 3 - 4] وأنه صلى الله عليه وسلم قد أثبت الأوليات فتعين لنا أن نحمل كلامه على المخلوق الأول وهو مسمى واحد له أسماء مختلفة، فبحسب كل صفة فيه سُمي باسم آخر.

وقد كثرت الأسماء والمسمى واحد وهو الأصل وما سواه تبعًا له فلا ريب في أن أصل الكون كان النبي صلى الله عليه وسلم لقوله:"لولاك لولاك لما خلقت الأفلاك"فهو أولى أن يكون أصلًا، وما سواه أولى أن يكون تبعًا له؛ لأنه كان بالروح بذر شجرة الموجودات، فلما بلغ أشده أربعين سنة كان بالجسم والروح ثمرة شجرة الموجودات وهي سدرة المنتهى، فكما أن الثمرة تخرج من نوع الشجرة كان خروجه إلى {قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى} [النجم: 9] ولهذا قال:"نحن الآخرون السابقون"يعني: الآخرون بالخروج كالثمرة، والسابقون بالخلق كالبذر، فيلزم من ذلك أن يكون روحه صلى الله عليه وسلن أول شيء تعلقت به القدرة، وأن يكون هو المسمى بالأسماء المختلفة، فباعتبار أنه كان درة صدف الموجودات سُمي درة وجوهرة، كما جاء في الخبر:"أول ما خلق الله جوهرة"، وفي رواية:"درة فنظر إليها فذابت"فخلق منها كذا وكذا، وباعتبار نورانيته سُمي مَلَكًا، وباعتبار أنه صاحب القلم سُمي قلمًا كما ذكرناه، وإذا أمعنت النظر وجدت كل وصف بالعقل.

وحكي عنه خاصية من خواص روحه صلى الله عليه وسلم وهو قوله:"أول ما خلق الله العقل فقال له: أقبل فأقبل، ثم قال: أدبر فأدبر"وهذا حال روحه صلى الله عليه وسلم إذ قال له:"أقبل"إلى الدنيا {رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107] "فأقبل، ثم قال أدبر"أي: {ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ} [الفجر: 28] "فأدبر"عن الدنيا وراجع ربه ليلة المعراج، ثم قال للعقل:"وعزتي وجلالي ما خلقت خلقًا أحب إلي منك"وهذا حاله صلى الله عليه وسلم أنه كان حبيب الله، وأحب الخلق إليه، وقوله تعالى للعقل:"بك أعرف، وبك آخذ، وبك أعطي، وبك أعاقب، وبك أثيب"فهذا كله حاله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه من لم يعرف النبي صلى الله عليه وسلم بالنبوة والرسالة لم يعرف الله ولو كان له ألف دليل على معرفة الله فمعناه:

بمعرفتك أعرف أي: من عرفك بالنبوة عرفني بالربوبية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت