"وبك آخذ"أي: آخذ طاعة من أخذ منك ما أتيته من الدين والشريعة.
"وبك أعطي"أي: بشفاعتك أعطي درجات أهل الدرجات، كما قال صلى الله عليه وسلم:"الناس يحتاجون إلى شفاعتي حتى إبراهيم".
"وبك أعاقب وبك أثيب"وذلك لقوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَآ آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذالِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَاْ مَعَكُمْ مِّنَ الشَّاهِدِينَ} [آل عمران: 81] .
وذلك أن الله تعالى أخذ ميثاق كل نبي بعثه بأن يؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم ويوصي أمته بالإيمان به ونصرة دينه، فمن آمن به من الأمم الماضية قبل بعثه أو بعد بعثه فهو من أهل الثواب، ومن لم يؤمن به من الأولين والآخرين فهو من أهل العقاب، ووضح فيه قوله:"بك أعاقب وبك أثيب".
فكل ما ذكرناه في معرفة الروح فهو حال النبي صلى الله عليه وسلم ومقاله؛ فكيف يظن به أنه لم يكن عارفًا بالروح، والروح هو نفسه؟! وقد قال:"من عرف نفسه فقد عرف ربه"وذلك أن الله تعالى خلق آدم وبنيه، وجعلهم خلفاء في الأرض، كما قال: {وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَآءَ الْأَرْضِ} [النمل: 62] وهذا أحد كرامة بني آدم، ومن شرط الخلافة أن يكون المستخلف يستجمع أوصاف المستخلف بالنيابة إلا ما اختص به المنوب بالأصالة مثل القدم والأحدية والصمدية والسلامة عن كل عيب ونقصان، فالروح خليفة الله وهو مجمع صفاته الذاتية له كالحياة والقدرة، والسمع والبصر والكلام، والعلم والإرادة والبقاء، والجسد خليفة الروح وهو مجمع صفاته باجتماعهما في الروح علمنا أنه خليفة الله، وبذلك علمنا أن الجسد خليفة الروح لأما وجدنا الجسد قبل اتصال الروح به وبعد انفصاله عنه خاليًا عن هذه الصفات علمنا أنه بخلافة الروح اتصف بهذه الصفات، ولو لم يكن الروح متصفًا بهذه الصفات لخلافة الحق تعالى لم يكن الجسد بها متصفًا فبقي أن الروح باقٍ أبدًا، والجسد فانٍ.
قلنا: وذلك لأن البقاء الأبدي من خاصية الروح فهو مختص به بالأصالة دون خليفته، كما أن الله تعالى اختص بالبقاء الأزلي والأبدي بالأصالة دون خليفته وهو الروح؛ فإنه حادث أبدي دون أزلي.
ثم اعلم أن الأرواح كلها خلقت من روح النبي صلى الله عليه وسلم وأن روحه أصل الأرواح، وإنها كما كان آدم ولهذا سُمي أميًّا؛ أي: إنه أم الأرواح، فكما كان آدم عليه السلام أبا البشر فكان النبي صلى الله عليه وسلم أبا الأرواح، وإنها كما كان آدم أبا حواء وأمها وذلك أن الله تعالى لما كان روح النبي صلى الله عليه وسلم: