فهرس الكتاب

الصفحة 903 من 1648

"كان الله ولم يكن معه شيء"إلا روحه، وما كان شيء آخر ينسب روحه إليه أو يضاف إليه غير الله، فلما كان روحه أول باكورة أثمرها الله تعالى بإيجاده من شجرة الوجود، وأول شيء تعلقت به القدرة وشرفه بتشريف إضافته إلى نفسه فسماه {رُّوحِي} [الحجر: 29] كما سُمي أول بيت من بيوت الله وضع للناس، وشرفه بالإضافة إلى نفسه، فقال: {بَيْتِيَ} ، ثم حين أراد أن يخلق آدم سواه ونفخ فيه من روحه أي: من الروح المضاف إلى نفسه وهو روح النبي صلى الله عليه وسلم كما قال: {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي} [الحجر: 29] فكان روح آدم من روح النبي - عليهما السلام - بهذا الدليل، وكذلك أرواح أولاده لقوله تعالى: {ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلاَلَةٍ مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ * ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ} [السجدة: 8 - 9] وقال تعالى في مريم عليها السلام: {فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا} [الأنبياء: 91] فكانت النفخة لجبريل وروحها من روح النبي صلى الله عليه وسلم المضاف إلى الحضرة، وهذا أحد أسرار قوله صلى الله عليه وسلم:"آدم ومن دونه تحت لوائي يوم القيامة".

ثم قوله تعالى: {وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلًا} [الإسراء: 85] هذا راجع إلى اليهود الذين سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن الروح يعني: أنكم سألتموني وقد أجبتكم أنه {مِنْ أَمْرِ رَبِّي} [الإسراء: 85] ولكنكم ما تفهمون كلامي؛ لأني أخبركم عن عالم الآخرة وعن الغيب وأنتم أهل الدنيا والحس، والدنيا وعلمها قليل بالنسبة إلى الآخرة وعلمها، فإنكم عن علمها غافلون كقوله: {يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ} [الروم: 7] .

ثم أخبر عن عزة الفراق وعزة الرحمن بقوله تعالى: {وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا} [الإسراء: 86] إشارة إلى أنه ليس في استعداد الإنسان ولا في مخلوق غيره أن يأتي بكلام جامع مثل كلام الله تعالى لعباده في غاية الجزالة والفصاحة، وإشارة في غاية الدقة والحذاقة، ولطائف في غاية اللطف واللطافة، وحقائق في غاية الحقية والنزاهة، وكما قال علي رضي الله عنه:"ما من آية إلا ولها أربعة معانٍ: ظاهر وباطن وحد ومطلع"، فالظاهر للتلاوة، والباطن للفهم، والحد هو أحكام الحلال والحرام، والمطلع هو مراد الله من العندية.

وقال جعفر بن محمد الصادق رضي الله عنه: عبارة القرآن للعوام، والإشارة للخواص، واللطائف للأولياء، والحقائق للأنبياء.

وقال: العبارة للسمع، والإشارة للعقل، واللطائف للمشاهدة، والحقائق للاستسلام.

أي: لا سبيل للجوهر الإنساني إذا استغرق في بحر حقائقه بالخروج إلى ساحله أبد الآباد إلا أن يستسلم لحقائقه؛ لأنه لا نهاية لها، فإذا تحقق أنه ليس لمخلوق أن يأتي بكلام جامع مثل كلام الخالق وهو غير مخلوق، ولو ذهب به الله عن قلوب أنبيائه لا يجدون ناصرًا ينصرهم على رده كقوله تعالى: {ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا * إِلاَّ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ} [الإسراء: 86 - 87] أي: ولكن الله قادر على أن يرد إليك برحمته {إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ} [الإسراء: 87] في الأزل {عَلَيْكَ كَبِيرًا} [الإسراء: 87] يسعك فضله من الأزل إلى الأبد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت