(حديث:"سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ، يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ: الإِمَامُ العَادِلُ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي المَسَاجِدِ، وَرَجُلاَنِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ، فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ، أَخْفَى حَتَّى لاَ تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ")
قال القرطبي: فيض العين بحسب حال الذاكر وما ينكشف له، ففي حال أوصاف الجلال يكون البكاء من خشية الله، وفي حال أوصاف الجمال يكون البكاء من الشوق إليه، ويشهد للأول ما عند الجوزقي: (ففاضت عيناه من خشية الله) ونحوه للبيهقي، ومثله ما رواه الحاكم عن أنس مرفوعًا: (من ذكر الله ففاضت عيناه من خشية الله حتى يصيب الأرض من دموعه لم يعذب يوم القيامة) .
وقال ابن الملقن: فيه فضيلة البكاء من خشية الله تعالى، وفضل طاعة السر لكمال الإخلاص، وهو على حسب حال الذاكر وبحسب ما ينكشف له من أوصافه تعالى، فإن انكشف له غضبه وسخطه فبكاؤه عن خشية وخوف، وإن انكشف جلاله وجماله فبكاؤه عن محبة وشوق، وهكذا يتلون الذاكر بتلون ما يذكر من الأسماء والصفات {فاذكروني أذكركم} [البقرة:152] ومن ذكره لم يعذبه؛ لأنه يعلم من يموت على الهدى وضده فلا يذكر إلا من يموت على الهدى.
وفي اشتراط الخلوة بذلك حض وندب على أن يجعل المرء وقتًا من خلواته للندم على ذنوبه، ويفزع إلى الله بإخلاص من قلبه، ويتفرغ إليه في غفرانها فإنه يجيب المضطر إذا دعاه، وأن لا يجعل خلوته كلها في لذاته كفعل البهائم التي قد أمنت الحساب والمسائلة عن الفتيل والقطمير على رؤوس الخلائق، فينبغي
لمن لم يأمن ذلك وأيقن أن يطول في الخلوة بكاؤه ويتبرم بحياته وتصير الدنيا سجنه لما سلف من ذنوبه.
روى أبو هريرة رضي الله عنه مرفوعًا: (لا يلج النار أحد بكى من خشية الله حتى يعود اللبن في الضرع) .
وروى أبو عمران عن أبي الجلد قال: قرأت في مسألة داود عليه الصلاة والسلام ربه تعالى: يا إلهي ما جزاء من بكى من خشيتك حتى تسيل دموعه على وجهه قال: أسلم وجهه من لفح النار وأؤمنه يوم الفزع.