(حديث: «مَنْ تَرَكَ صَلاَةَ العَصْرِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ» )
وفي (( الصحاح ) )حبط عمله حبطًا بالتسكين وحبوطًا بطل ثوابه أحبطه الله.
(عَمَلُهُ) أي: بطل ثواب عمله، وسقط للمستملي وفي رواية معمر أحبط الله عمله، وأصله من قولهم: حبطت الدابة حبطًا بالتحريك إذا أصابت مرعًا طيبًا فأفرطت في الأكل حتى تنتفخ وتموت.
وقد استدل بظاهره الخوارج وغيرهم فمن يقول بتكفير أرباب المعاصي من الكبائر فهو كقوله تعالى: {ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله} [المائدة:5] ورد عليهم ابن عبد البر وغيره.
فقال ابن عبد البر: لأن مفهوم الآية أن من لم يكفر بالإيمان لا يحبط عمله فيعارض مفهومها منطوق الحديث فيتعين تأويل الحديث بما يأتي قريبًا، ومنه أوله بأنه محمول على المستحل؛ لأن الجمع متى أمكن كان أولى من الترجيح.
واستدل به الحنابلة ومن وافقهم على أن تارك الصلاة يكفر؛ لأن من حبط عمله يكون كافرًا، وأجيب: بمعارضة مفهوم الآية له وبأن المراد من تركها جاحدًا لوجوبها أو معنى فاته لكنه استخف بمن أقامها، ورد هذا بأن الذي فهمه الصحابي إنما هو التفريط ولذا أمرهم بالمبادرة كما مر وفهمه أولى من فهم غيره.
وأجيب أيضًا: بأنه محمول على الزجر والتغليظ فظاهره غير مراد كقوله صلى الله عليه وسلم: (لا يزني الزاني وهو مؤمن) فإنه عند أهل السنة لا يحبط الأعمال إلا الشرك وهو أقرب التأويلات وبأنه من مجاز التشبيه.
والمعنى فقد أشبه من حبط عمله وبأنه كاد أن يحبط وبأن المراد بالحبط نقصان العمل في ذلك الوقت الذي ترفع فيه الأعمال إلى الله بالنسبة لتلك الصلاة خاصة؛ لأنه لا يحصل على أجر من صلى العصر وبأن المراد عمله الدنيوي بسبب اشتغاله به ترك الصلاة يعني: لا ينتفع به ولا يتمتع وبأن المراد بالحبط بطلان انتفاعه في وقت ما ثم ينتفع به إذا أتاه من فضل مولاه بارك به ثواب عمله كمن رجحت سيئاته على حسناته فإنه موقوف في المشيئة فإن غفر له فمجرد الوقوف إبطال لنفع الحسنة إذ ذاك وإن عذب ثم غفر له فكذلك أيضًا أشار إليه ابن العربي.