(باب قول النبي: يعذب الميت ببعض بكاء أهله عليه)
(حديث: إنهم ليبكون عليها وإنها لتعذب في قبرها)
وقال ابن بطال: وفي كتاب المغازي: قالت عائشة: إنما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنه ليعذب بخطئته وذنبه، وإن أهله يبكون عليه) ، واختلف في معناه، فقيل: أن يوصي بذلك الميت فيعذب حينئذ بفعل نفسه لا بفعل غيره، وإليه ذهب البخاري، وهو قول أهل الظاهر، وأنكروا قول عائشة، وأخذوا بحديث عمر وابنه والمغيرة: (إن الميت يعذب بما نيح عليه) .
وقال آخرون: معناه: أن الميت ليعذب ويحزن ببكاء أهله عليه، ويسوؤه إتيانهم ما يكره ربه، واحتجوا بحديث قيلة حين ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها قالت: بكيت ثم قلت: والله يا رسول الله لقد ولدته حرامًا فقاتل معك يوم الرّبذة، ثم ذهب يمير لي من خيبر فأصابه حمى فمات، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لو لم تكوني مسكينة لجزرناك اليوم على وجهك، أتغلب إحداكن على أن تصاحب صويحبة في الدنيا معروفًا حتى إذا حال بينه وبين من هو أولى به منه استرجع وقال: رب أنسني ما أمضيت وأعني على ما أبقيت؟ والذي نفس محمد بيده إن إحداكن لتبكي فتستعين إليه صويحبة فيا عباد الله لا تعذبوا إخوانكم) .
قال الطبري: والدليل على أن بكاء الحي على الميت تعذيب ممن الحي له لا تعذيب من الله، ما رواه عوف عن خلاس بن عمرو عن أبي هريرة رفعه قال: (إن أعمالكم تعرض على أقربائكم من موتاكم، فإن رأوا خيرًا فرحوا به، وإن رأوا شرًا كرهوه، وإنهم ليستخبرون الميت إذا أتاهم من مات بعدهم حتى إن الرجل ليسأل عن امرأته أتزوجت أم لا؟)