(حديث عُرْوَة: سَأَلْتُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فَقُلْتُ لَهَا: أَرَأَيْتِ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: {إِنَّ الصَّفَا وَالمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ البَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} [البقرة: 158] ، فَوَاللَّهِ مَا عَلَى أَحَدٍ جُنَاحٌ أَنْ لاَ يَطُوفَ بِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ، قَالَتْ: بِئْسَ مَا قُلْتَ يَا ابْنَ أُخْتِي، إِنَّ هَذِهِ لَوْ كَانَتْ كَمَا أَوَّلْتَهَا عَلَيْهِ، كَانَتْ: لاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ لاَ يَتَطَوَّفَ بِهِمَا)
قَالَ عُرْوَةُ): أي: ابن الزبير (سَأَلْتُ) : بضم التاء (عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا) .
وقوله: (فَقُلْتُ لَهَا: أَرَأَيْتِ) : بكسر الفوقية، بيان لسؤاله لها (قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى) : أي: أخبريني عن مفهوم ( {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} [البَقَرَة:158] ) : فإنه يفيد أنه لا يجب السعي بينهما؛ لأنه دل على نفي الجناح وهو الإثم عن الطائف بينهما، فيدل على إباحته إذ لو كان واجبًا لقيل فيه: فعليه أن يطوف بينهما مثلًا، فلما لم يقل كذلك دل على إباحته، وهذا مراد عروة بقوله: (فَوَاللَّهِ مَا عَلَى أَحَدٍ جُنَاحٌ أَنْ لاَ يَطَّوَّفَ) : بتشديد الطاء كالآية وأصله: يتطوف، فقلبت التاء طاء وأدغمت الطاء في الطاء.
وقوله: (قَالَتْ: بِئْسَمَا قُلْتَ) : من كلام عائشة، ذمت به قول عروة؛ لأنه يدل على عدم وجوب السعي مع أنه واجب، ثم بينت له أنه أخطأ في فهم الآية فقالت: (يَا ابْنَ أُخْتِي) : أي: أسماء (إِنَّ هَذِهِ) : أي: الآية (لَوْ كَانَتْ كَمَا أَوَّلْتَهَا) : بتشديد الواو؛ أي: حملتها (عَلَيْهِ) : أي: من إباحة السعي
(كَانَتْ: لاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ لاَ يَطَّوَّفَ بِهِمَا) : بذكر ( {لا} ) بعد ( {أن} ) لكن قرئ بهما في الشواذ، وقد حكاها الطبري وابن أبي داود في (المصاحف) وابن المنذر وغيرهم عن أبي بن كعب وابن مسعود وابن عباس.
وأجاب عنها الطبري والطحاوي كما في (( الفتح ) ): بأنها محمولة على القراءة المشهورة بجعل {لا} زائدة، وقال بعضهم: لا حجة في الشواذ إذا خالفت المشهور.
وقال الكرماني: في تقرير كلام عروة في الآية أن مفهومها: عدم وجوب السعي بينهما إذ فيه عدم الإثم على الترك، فقالت عائشة: مفهومها ليس ذلك، بل عدم الإثم على الفعل ولو كان على الترك لقيل: (أن لا يطوف) بزيادة: (لا) . انتهى.