فهرس الكتاب

الصفحة 991 من 1202

(86) (بَابُ مَا جَاءَ فِي عَذَابِ الْقَبْرِ) : لم يتعرض المصنف كما في (( الفتح ) )لكون عذاب القبر يقع على الروح فقط أو عليها وعلى الجسد، وفيه خلاف شهير عند المتكلمين، وكأنه تركه؛ لأن الأدلة التي يرضاها ليست قاطعة في أحد الأمرين، واكتفى بإثبات وجوده خلافًا لمن نفاه مطلقًا من الخوارج وبعض المعتزلة، كضرار بن عمرو وبشر المريسي ومن وافقهما، وذهب بعض المعتزلة كالجبائي إلى أنه يقع على الكفار دون المؤمنين، وبعض الأحاديث الآتية ترد عليهم.

وخالفهم في ذلك أكثر المعتزلة وجميع أهل السنة وغيرهم، وأكثروا من الاحتجاج له، وقد تظاهرت الأدلة من الكتاب والسنة على ثبوته، وقد كثرت الأحاديث في ذلك حتى قال غير واحد: إنها متواترة، وإذا لم يصح مثلها لم يصح شيء من أمر الدين.

ولا مانع في العقل أن يعيد الله تعالى الحياة في جزء من الجسد، أو في جميعه - على خلاف معروف - فيثيبه أو يعذبه، وإذا لم يمنعه العقل وورد به الشرع وجب قبوله واعتقاده، ولا يمنع منه كون الميت تفرقت أجزاؤه أو أكلته السباع والطيور وحيتان البحر، إذ لا يمتنع تعلق روح الشخص الواحد في وقت واحد بكل جزء من أجزائه المتفرقة في المشارق والمغارب؛ فإن تعلقها ليس على سبيل الحلول في جزء حتى يمنع من تعلقها في آخر، بل على سبيل التدبير.

قال أبو عثمان الحداد: لا ينافي عذاب القبر قوله تعالى: {لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى} [الدخان:56] : لأن الله أخبر بحياة الشهداء قبل يوم القيامة، وليست مرادة بهذه الآية، فكذا حياة القبور حال الحشر.

قال ابن المنير: وأشكل ما في القضية أنه إذا ثبتت حياتهم لزم أن يثبت موتهم بعد هذه الحياة، إذ يجتمع الخلق كلهم في الموت عند قوله تعالى: {لمن الملك اليوم} [غافر:16] ، مع أن الله تعالى قال: {لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت