فهرس الكتاب
(فصل)
قال الطبري: أحوال الناس في الصبر متفاوتة، فمنهم من يظهر حزنه على المصيبة في وجهه بالتغير وفي عينيه بانحدار الدموع، ولا ينطق بشيء من القول، ومنهم من يجمع ذلك، ويزيد عليه إظهاره في مطعمه وملبسه، ومنهم من يكون حاله في المصيبة وقبلها سواء.
واختلف في المستحق لاسم الصبر منهم، فرجح بعضهم أنه الذي يكون حاله في المصيبة وقبلها سواء في الرضا بها، ولهذا قال بعض الصوفية: الولي لا تتم له الولاية إلا إذا تم له الرضا بالقدر، ولا يحزن على شيء، وكان ابن سيرين عند المصيبة كما هو قبلها يتحدث ويضحك، إلا يوم ماتت حفصة؛ فإنه جعل يضحك ويعرف في وجهه، وسئل ربيعة: ما منتهى الصبر؟ فقال: أن يكون يوم تصيبه المصيبة مثله قبلها.
وروى المقبري عن أبي هريرة مرفوعًا: (قال الله عز وجل: إذا ابتليت عبدي المؤمن فلم يشكني إلى عواده أنشطته منه تعالى، وبدلته لحمًا خيرًا من لحمه، ودمًا خيرًا من دمه ويستأنف العمل) .
وقال آخرون: الصبر المحمود: هو ترك العبد عند حدوث المكروه عليه وصفه وبثه للناس، ورضاه بقضاء ربه وتسليمه لأمره، وأما جزع القلب وحزن النفس ودمع العين، فذلك لا يخرج العبد عن الصابرين إذا لم يتجاوزه إلى ما لا يجوز فعله.