(إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا(163)
( {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ} [النساء:163] ) : أي: أرسلنا إليك جبريل عليه الصلاة والسلام بالوحي قرآنًا أو غيره وأثر صيغة التعظيم تفخيمًا للموحي والموحى إليه.
قال ابن بطال: معنى الآية {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ} [النساء:163] وحي إرسال كما أوحينا إلى الأنبياء قبلك لا وحي إلهام؛ لأن الوحي ينقسم إلى وجوه.
قال البرماوي: مراده لا وحي إلهام فقط، وإلا فلا يسعد في الإلهام للأنبياء عليهم الصلاة والسلام، انتهى.
وأقول: وبه يعلم ما في قول القسطلاني: أي: وحي إرسال فقط، فافهم.
( {كَمَا أَوْحَيْنَا} [النساء:163] ) : أي: كوحينا أو كالذي أو كشيء أوحيناه ( {إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ} [النساء:163] ) : زاد في رواية أبي ذر: ؛ أي: اقرأها فلهذا نتكلم عليهما بكمالها، وهي في أواخر سورة النساء، والكاف ومدخولها متعلقان بمحذوف في محل نصب صفة مصدر محذوف؛ أي: إيحاء مثل إيحائنا إلى المذكورين أو حال من ذلك المصدر المقدر معرفًا على رأي سيبويه لا من كاف إليك؛ أي: حال كون إيحائنا إليك مماثلًا إيحاءنا إليهم، وما تحتمل المصدرية والموصولة والنكرة الموصوفة كما أشرنا إلى ذلك، والعائد على الأخيرين محذوف ولظهور الإيحاء إلى النبيين قبله وشهرته عند المنازعين صح التشبيه به، وتبين لك أن وجه الشبه في المشبه أخفى منه في المشبه به، وإنما خص إبراهيم مع من بعده بالذكر مع دخولهم في النبيين تشريفًا لهم وتعظيمًا، فإن إبراهيم أول أولي العزم بعد نوح وعيسى آخرهم، والباقين من أشراف الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ومشاهيرهم، ولم يذكر موسى معهم ليبرزه على نمط أعظم من الأول بقوله: {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} [النساء:164] قاله البيضاوي.
وهذه الآية وما قبلها جواب لأهل الكتاب عن افترائهم حيث قالوا: إن كنت صادقًا فأنزل علينا كتابًا من السماء، جملة كما أتى به موسى، أو كتابًا محررًا بخط سماوي على ألواح كما كانت التوراة أو كتابًا نعاينه حين ينزل أو كتابًا إلينا بأعياننا أنك رسول الله، واحتجاج عليهم بأن أمره في الوحي كسائر الأنبياء، ولذلك أكد فإنه جواب للمنكرين عليه.