قال الكرماني: يحتمل أنه من الشرع السابق إذ المختار عند الأصوليين أنه متعبد قبل البعث بالشرع السابق، فقيل: بشرع نوح، وقيل: إبراهيم، وقيل: موسى، وقيل: عيسى، وقيل: ما ثبت أنه شرع، ويحتمل أن يكون بمقتضى العقل على قول من يقول بقاعدة الحسن والقبح العقليين.
ويحتمل أن يكون من شرع نفسه الحاصل بالرؤيا بدليل: (ثم حبب إليه الخلاء) ؛ لدلالة ثم على التراخي قال: ولو حملنا على اجتنابه على الحرج الذي يرتكبه أهل الجاهلية لكان أظهر، انتهى.
قال البرماوي: وفيه نظر؛ لأنه دائمًا تارك لذلك فإن قصد حدوث نية الترك تعبدًا فالتعبد لا بدَّ له من استناد للشرع، انتهى.
وزاد ابن برهان: وقيل: بشرع آدم.
وحكى بعض شراح (( المحصول ) )عن المالكية: أن جميع الشرائع شرع له، وذهب إمام الحرمين إلى التوقف، واختاره الآمدي، فهذه الأقوال فيما قبل النبوة، واختلف الأصوليون فيما بعدها أيضًا، فقيل: كلف النبي صلى الله عليه وسلم بعد النبوة بشرع أحد الأنبياء قبله، واختاره ابن الحاجب وجماعة.
ويعبر عنه: بأن شرع من قبلنا شرع لنا؛ أي: لم يرد في شرعنا ما يخالفه،
وهذا أحد قولي الشافعية.
واختاره شيخ الإسلام زكريا، والأصح عندهم المنع، وجرى عليه الأكثرون من غيرهم، واختاره الآمدي وإمام الحرمين وغيرهما، وأما قوله تعالى: {ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا} [النحل:123] ، فلا يدل للأول؛ لأن المراد به توحيده تعالى وصفاته، وبهذا يستوي فيه سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فهي مثل قوله تعالى: {فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ} [الأنعام:90] ، وإنما خص إبراهيم عليه السلام؛ لأنه الأب الحليم، أو المراد اتباعه في المناسك للحج كما علمه جبريل عليه الصلاة والسلام.