قال السبكي في (( جمع الجوامع ) ): والاستثناء الوارد بعد جمل متعاطفة عائد للكل حيث صلح له وقيل: إن سبق الكل لغرض واحد وقيل: إن عطف بالواو وقال أبو حنيفة والإمام الرازي: للجملة الأخيرة فقط، وقيل: بالوقف انتهى فاعرفه.
وقال في (( فتح الباري ) )وهذا الاستثناء عمدة من أجاز شهادته إذا تاب وقد أخرج البيهقي من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله ولا تقبلوا لهم شهادة أبدًا ثم قال {إلا الذين تابوا} فمن تاب فشهادته في كتاب الله تقبل.
وبهذا قال الجمهور أن شهادة القاذف بعد التوبة تقبل ويزول عنه اسم الفسق سواء كان بعد إقامة الحد أو قبله وتأولوا قوله تعالى: {أبدا} على أن المراد ما دام مصرًا على قذفه؛ لأن أبد كل شيء على ما يليق به كما لو قيل لا تقبل شهادة الكافر أبدًا فإن المراد ما دام كافرًا وبالغ الشعبي فقال: إذا تاب القاذف قبل إقامة الحد سقط عنه.
وذهب الحنفية إلى أن الاسثتناء يتعلق بالفسق خاصة فإذا تاب سقط عنه اسم الفسق، وأما شهادته فلا تقبل أبدًا، وقال بذلك بعض التابعين وفيه مذهب آخر يقبل بعد الحد لا قبله.
وعن الحنفية لا ترد شهادته حتى يحد، وتعقبه الشافعي بأن الحدود كفارة لأهلها فهو بعد الحد خير منه قبله فكيف ترد في خير حالتيه وتقبل في شرهما.
وقال العيني: لا تقبل شهادته عند الحنفية؛ لأن رد الشهادة من تتمة الحد لأنه يصلح خبرًا وأما قوله أولئك هم الفاسقون فلا يصلح خبرًا؛ لأنه ليس بخطاب للأئمة بل هو إخبار عن صفة قائمة بالقلوب وما قبله جملة إنشائية يصلح أن تكون خطابًا بالأئمة انتهى.
وفيه: أنه صرح في الكشاف بأن قوله وأولئك هم الفاسقون في معنى الإنشاء كأنه قيل وفسقوا أي: أحكموا بالفسق عليهم انتهى مخلصًا.
وأطال من الكلام على الآية مع حسن الصنيع وكثرة الفوائد.