[الزمر: 65] ، فإن الله تعالى من غاية كرمه مع عباده جعل (آمين) خاتمة كتاب صلاة العبادة حتى لا يمحوها شيء من الأشياء فيبقي بها مختومًا ثابتًا إلى يوم الجزاء فإنه (يمحو الله ما يشاء ويثبت) ، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم:"كل الختم على الكتاب"ومنها أن تعالى قال:"قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل".
فالإشارة فيه أن للعبد نصفه من الحمد والثناء والدعاء؛ فيبقي نصف من الإجابة والهداية والرحمة والعفو والمغفرة والرضوان والنجاة من النيران ورفعه الدرجات من الجنان وكرامة بقاء الرحمن فختمت على ما سأل بخاتم: {آمينَ} ليوم يقوم الناس لرب العالمين يقال في قبول القوم ختم به عليه.
ومنها: أن العبد محجوب عن الله تعالى بحجاب أنانيته ووجدان وجوده، ووجوده مركب عن الروحاني العلوي والجسماني السفلي، فالشرع إنما جاء ليخرجه من ظلمات حجاية الجسماني السفلي إلى نور الروحاني العلوي؛ لأن من بقي فيها فهو في سفلي من النار لقوله: {وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُمْ مِّنْهَا} [آل عمران: 103] ، فمن نجا من ظلمات نار سفلي وجوده ووصل إلى نور جنة علو وجوده فهو بعد محجوب بحجاب النور العلوي لقوله: صلى الله عليه وسلم:"إن لله سبعين ألف حجاب من نور وظلمة"فالروحاني بالنسبة إلى الجسماني نوارني؛ ولكن بالنسبة إلى نور القديم ظلماني كما قال صلى الله عليه وسلم:"إن الله خلق الخلق في ظلمة".
فالنور الحقيقي هو الله تعالى وما سواه مخلوق ظلماني، وكمال العبد في العبودية بالخروج عن ظلمات أنانيته إلى نور هويته وفقدان وجوده في وجدان وجود الحق، والحكمة في بعث الأنبياء وإنزال الكتب بالوعد والوعيد، والترغيب والترهيب في الأمور والنواهي وجميع أحكام الشرع وآدابه مقصورة على هذا المعنى، ولهذا ذكر الله تعالى في مواضع من القرآن {لِّيُخْرِجَكُمْ مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} [الحديد: 9] ، وإن أخرج قومك من الظلمات إلى النور فالله تعالى بجوده وكرمه جمع أصول ما في الكتب المنزلة في سور القرآن، وأودع حقائق ما في سور القرآن في سورة فاتحة الكتاب؛ بل في المراتب العشر للربوبية كما ذكرنا محصورة في المراتب الأربعة إلى قولنا: الهداية من الأزل إلى الأبد؛ لأن العبد كان محتاجًا إلى هدايته في الأزل بأن يهديه إلى الوجود وهي لو لم تكن هدايته لكان ضالًا في تيه العدم وهذا أحد معاني قوله تعالى: {وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فَهَدَى} [الضحى: 7] .
فلما هدى العبد بهداية:"كن"فخرج عن ضلالة العدم إلى هدى الوجود الروحاني فكان ضالًا في عالم الأرواح، كما قيل: ضل الماء في اللبن، فاحتاج إلى هدايته ليخرجه بهداية {وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي} [الحجر: 29] من ضلالة الروحاني إلى هدى عالم الجسماني إلى أن بلغ كمال مرتبة الإنسانية بالبلوغ والعقل، فيضل في تيه أنانية الوجود فيحتاج إلى هدايته بالرجوع إلى الصراط المستقيم الذي جاء عليه من العدم إلى الوجود حتى يرجع عليه من الوجود إلى العدم فقوله: {اهْدِنَا} طلب أسباب الرجوع وهي في صورة النبي والشرع، وفي الحقيقة جذبة الحق ليهديه بهذه إلى العدم وفناء الوجود، كما هداه إلى الوجود بالنفخة ليهتدي إلى واجب الوجود وهذا معنى آخر من معاني: