فهرس الكتاب

الصفحة 58 من 1648

ثم أخبر عن نتائج ذلك الخروج ونقض العهد كما قال تعالى: {الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ} [البقرة: 27] ، الذين ينقضون عهد الله الذي عاهدوه يوم الميثاق على التوحيد والعبودية والإخلاص من بعد ميثاقه، {وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ} [البقرة: 27] ، من أسباب السلوك الموصل إلى الحق وأسباب النقل والانقطاع عن غير الخالق.

كما قال تعالى: {وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا} [المزمل: 8] ، أي: انقطع إليه انقطاعًا كاملًا عن غيره {وَيُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ} [البقرة: 27] ، أي: يفسدون بذر التوحيد الفطري في أرض طينتهم بالشرك والإعراض عن قبول دعوة الأنبياء، وسقي بذر التوحيد بالإيمان والعمل الصالح {أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} [البقرة: 27] ، خسروا استعداد كمالية الإنسان المودعة فيهم كما تخسر النواة في الأرض استعداد النخلية المودعة فيها عند عدم الماء لقوله تعالى: {وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ} [العصر: 1 - 3] .

ثم أخبر عن كمال جرأتهم بنيسان نعمة اختراع وجودهم وكفرانهم كما قال تعالى: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ} [البقرة: 28] ، والإشارة في تحقيق الآية أن قوله تعالى: {كَيْفَ} خطاب التهديد للكافرين عمومًا وخطاب التوحيد للمؤمنين خصوصًا وخطاب التشريف للأنبياء اختصاصًا، فتهديد الكافرين {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا} [البقرة: 28] ، نطفًا في أصلاب آبائكم {فَأَحْيَاكُمْ} [البقرة: 28] ، بنفخ الروح فيكم في أرحام أمهاتكم، {ثُمَّ يُمِيتُكُمْ} [البقرة: 28] ، عند مفارقة نفوسكم عن أبدانكم.

{ثُمَّ يُحْيِيكُمْ} [البقرة: 28] ، عند نفخ الصور والبعث عن القبور {ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [البقرة: 28] ، بالسلاسل والأغلال، ثم يسحبون في النار على وجوههم. وفيه إشارة أخرى: كيف تكفرون بالله أي: لا تكفرون بالله وإنما تكفرون بأنبيائه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والبعث، والجنة والنار، يدل عليه قوله تعالى: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ} [البقرة: 28] وبأنبيائه لأنكم {وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا} [البقرة: 28] ذرات في صلب آدم فأحياكم بأخراجكم عن صلبه وأسمعكم لذلك خطاب: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ} [الأعراف: 172] ، وأذاقكم لذات الخطاب ووفقكم للجواب بالصواب حتى قلتم: {بَلَى} رغبة لا رهبة {ثُمَّ يُمِيتُكُمْ} [البقرة: 28] بالرجعة إلى أصلاب آبائكم، وإلى عالم الطعبية الإنسانية {ثُمَّ يُحْيِيكُمْ} [البقرة: 28] ببعثة الأنبياء وقبول دعوته {ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [البقرة: 28] بدلالة الأنبياء وقدم التوحيد على جادة الشريعة إلى درجات الجنان والنعيم المقيم.

وأما خطاب التشريف للأنبياء والأولياء بقوله تعالى: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ} [البقرة: 28] ، أي: لا تكفرون وكنتم في العدم، فأحياكم بالتكوين في عالم الأرواح ورشاش النور فخمر طينة أرواحكم بماء نور العناية، وتخمير الطينة أربعين صباح الوصال، {ثُمَّ يُمِيتُكُمْ} [البقرة: 28] بالمفارقة عن شهود الجمال إلى معبرة الحسن والخيال، كما قيل:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت